بعد أن انشقت بعض المجتمعات الإسلامية إلى شقين، وبعد أن جذبت الحضارة الجديدة، وأنماط العيش الغربية أحد شقي المجتمع المسلم، أصبحنا نرى ونسمع بعض ما لم نكن نراه أو نسمعه من قبل، فلمّعت بعض الوجوه، وعلت بعض الأصوات فأصبح لها صدى حين رددها رويبضات الإعلام، وحين أبدؤوا وأعادوا فيها الكلام، حتى اضطروا عقلاء المجتمع إلى مناقشتهم، وكلفوا العلماء عناء الرد على ترهاتهم، جليا للحق من صدأ الباطل، ودفعا للشبه عن العقول الغوافل، فدارت الحروب، وارتفع الغبار، وكان في وسط هذه المعركة، قلم يحترق، يريد أن يتساءل…
ماذا ينقمون على رجل الحسبة؟
إنه يحول بين المرء وحريته الشخصية، زعموا…
لا بد لنا إذن من تصور صحيح لمسألة الحرية الشخصية، التي يمتطيها كل من أراد القدح في الشريعة وأحكامها، فكم من الحملات الفكرية قد شنت على إسلامنا العظيم، باسم “حفظ الحريات الشخصية” لذا فإن تحرير هذه الجزئية سيساعد في إزالة اللبس وتحرير النزاع بيننا وبين هذه الفئة الجديدة في مجتمعاتنا.
إن لفظ الحرية قد وضع ليخدم قضية نشأت تحت وطأة ظلم واستبداد الكنيسة النصرانية، وقد أريد له أن يكون لفظا واسعا ليتسع للقضية التي وضع لها، فكانت تعاريفه فضفاضة ومتباينة حتى إن أحد المفكرين وهو(آيزا برلين)، يقول “إن التعريفات التي طرحت للحرية قد بلغت حتى الآن المئتي تعريف”، وهنا مكمن الخطورة، فعدم وجود قيد محدد للحقل المعرفي الذي تحمله الكلمة، يجعلها قاعدة واسعة تتحمل كل ما يبنى عليها من نظريات، وهذا الأسلوب من أخطر الأساليب التمويهية التي تسحب الجماهير المتعطشة إلى أمثال هذه الألفاظ.
ولعل أقرب هذه التعاريف تعريف (جون استيوارت، ميل)، حيث يقول: “إن الحرية عبارة عن قدرة الإنسان على السعي وراء مصلحته التي يراها، بحسب منظوره، شريطة أن لا تكون مفضية إلى إضرار الآخرين”.
إن المفهوم الإسلامي يضيف إلى هذا التعريف بعض العناصر الأساسية، التي تجعل النظرة الإسلامية للحرية الشخصية أوسع وأشمل، فهي لا تكتفي بإعطائه الحرية للسعي وراء مصلحته فقط، إذ إنه قد يعرف مصلحته وقد يجهلها، كما أن قدرته على السعي وراءها قد تكون كاملة وقد تكون ناقصة، لذا فإن الدين يدل الفرد على مصلحته ويرشده إليها في الدارين، بل يغذي قدرته على السعي وراء هذه المصلحة بالثواب والعقاب، كما يمنع عنه العوائق التي تحول دونه ودون مصلحته.
فالدين يحرم على الإنسان الانغماس في الملذات، أو الإسراف في الشراب، أو تعاطي المخدرات، حتى يضمن له تحررا كاملا من الشهوات، ويضمن له قوة نفسية وعقلية متوازنة، تمكنه من تحصيل منافعه في الدنيا والآخرة.
كما أن الإضرار بالآخرين ليس هو القيد الوحيد لهذه الحرية، كما جاء في تعريفهم، بل يشترط فيها أيضا ألا توقع الضرر بنفس الشخص الذي يريد ممارسة هذه الحرية، فالمبدأ الإسلامي الكريم لا يفرق بين الشخص وغيره، ولا ينظر إليه كوحدة مستقلة منعزلة، بل الأمة كلها نفس واحدة، والمسلمون كلهم جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، وهذه قاعدة عظيمة نبه عليها القرآن في مواضع، منها قوله تعالى {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}، وهذا مستو عال من النظم الاجتماعية التي لم يصل إليها منظرو الحرية المحدثون.
لن ينكر أحد على الطبيب إذا منع المريض من تناول طعام معين فيه إضرار بصحته، بل هذا أمر يحمد عليه الطبيب، وما على المريض إلا أن يسلّم للطبيب، ويلزم نفسه الامتناع عما وصف له من الطعام، وليس لعاقل أن يقول إن هذا تدخل في الحرية الشخصية.
إذن، الإنسان يمنع مما يضره ويؤذيه، وهذه مسلمة عقلية لا يختلف عليها أحد من العقلاء. بقي أن نحدد المضرة التي تلحق الإنسان حين يقع في المعاصي، والتي على المحتسب أن يقوم بمنعه من إلحاقها بنفسه أو بغيره، تماما كدور الطبيب الذي يمنع المريض من تناول هذا الطعام أو ذاك، حرصاً على صحته من الهلاك.
بقي إذن أن نحدد طبيعة الضرر الذي يلحق البشرية بفعل المعاصي…
لقد نبذت المجتمعات النصرانية كل القيود الأخلاقية والدينية جريا وراء كلمة الحرية، لتقدم لنا واقعا اجتماعيا مريراً، يشهد على فساد هذه النظرية، وعدم صلاحيتها لتسيير شؤون الناس.
لقد بحثوا عن السعادة فوقعوا في الشقاء، بحثوا عن الحرية فوقعوا في عبودية الأهواء والرغبات، جربوا كل شيء، لم يتركوا بابا إلا ولجوه، ولم يتركوا عيبا إلا اقترفوه، قلّبوا فطرتهم في كل واد، وهاموا في كل مذهب، سكر ورقص، زنى وسرقة، اغتصاب وقتل، لواط وسحاق، زواج بين الجنسين، عقوق وشقاق، عصابات وإجرام، جنون وانتحار، حتى أصبحوا عنوانا للانحراف، وعاراً في تاريخ البشرية، وسبةً لكلمة الحرية ومدلولها النبيل.
ويكفي النظر السريع إلى أحوال تلك المجتمعات، لندلل على أن ما أسماه الشرع معاصي، وشدد في الوعيد على من وقع فيها، ما هي إلا عواصف عاتية، تعصف بالمجتمعات، وتحيلها إلى خراب.
المزيد