أدلة الباطل ودعاة الحق.
لقد تسلح الحق في صراعه الأزلي مع الباطل، بسلاح الحجة الواضحة والبرهان الجلي، وكان دائما يستمد قوته من كونه الأساس الذي قامت عليه السماوات والأرض : (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ، ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون) الدخان: ٣٨ - ٣٩
وكان من قدر الله تعالى ، وإرادته الكونية، أن لا يكون الناس أمة واحدة، وأن يمكّن للباطل ما يجلب به على قلوب الذين لا يريدون الحق ويبغونها عوجا، فمكّن سبحانه لإبليس وذريته وأعوانه أن يتسلطوا على من لم يعصمهم الله: (إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) النحل: ٩٩ - ١٠٠ فأثبت لهم سلطان الوسوسة والتضليل لأولياءهم، يؤزونهم إلى الباطل أزا، ويفتنونهم عن الحق حتى لا يكاد يظهر لهم نوره إلا خافتا، فلا يعرفون منه معروفا ولا ينكرون منكرا.
ولله في كونه سنة متبعة، وناموس متسق، فكان من الطبيعي أن تكون للباطل أسلحة تكون له بها صولة وجولة، وأدلة يطاول بها الحق ويجادله، وصوت يرفعه ويخفضه، وخطاب ينمقه ويزوقه، وخيل ورَجل، وإنس وجن، وجنود وأتباع، وسحرة ومشعوذون، ومنافقون يجادلون بالقرآن، يوحي بعضهم إلى بعض، يبدؤون ويعيدون، ويجدّون ويكدّون: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) التوبة: ٣٢ - ٣٣.
وسنعرض في حديثنا لأربع خصائص من خصائص هذه الأدلة التي يعتمدها الباطل، ونحاول تقريبها إلى القارئ ونبحث له في أصولها، ونبين لها مادتها، لكي يجدّ الداعية إلى الله في الاستعداد لها، ويعرفها حتى لا يؤتى على حين غرة، وقد ارتأينا تسميتها أدلة تنزلا، وإلا فإن الاسم المطابق لها هو "الشُّبه".
الخاصية الأولى: القِدم والتكرار:
فهي أدلّة قديمة قدم إبليس، خارجة منه وعائدة إليه، متكررة بين أتباعه وأوليائه، هو الذي أصلها لهم، وألقاها في قلوبهم، قال تعالى : (وإن الشياطين ليوحون إلى أولياءهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) الأنعام: ١٢١ ذكر الطبري في تفسير هذه الآية عن عكرمة أنه قال: كان مما أوحى الشياطين إلى أوليائهم من الإنس: كيف تعبدون شيئًا لا تأكلون مما قَتَل، وتأكلون أنتم ما قتلتم؟ فرُوِي الحديث حتى بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت:(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) [1].
وقد عانى الرسل كلهم من نفس الشبه، فقوم نوح عابوا عليه أنه اتبعه الأرذلون: (قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) الشعراء: ١١١ (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي) هود: ٢٧ وعيروه بذلك، وطلبوا منه أن يطردهم، فأجابهم نوح: (وما أنا بطارد الذين ءامنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون) هود: ٢٩ فمرت السنين، وقالت قريش: (وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه) الأحقاف: ١١ وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يطرد أصحابه الضعفاء، وقالوا له "لا نجالسك وحولك هؤلاء"، فقال الله له: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين) الأنعام: ٥٢ – ٥٣، قال الطبري في تفسيره للآية: "ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين، قال المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك"[2]
فاعجب لاتفاق قوم نوح وقريش في هذه الشبهة على بعد ما بينهم من المدة.
وقد كان من عزاء الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين نعتوه بأنه ساحر ومجنون، أن قال له: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون، أتواصوا به بل هم قوم طاغون) الذاريات: ٥٢ - ٥٣ فكأنما أوصى السلف خلفهم بما قالوه لأنبياءهم وما شغبوا به على دعوتهم، وهذا لم يحصل في الواقع، وإنما اتحد مصدر الباطل، فاتحدت شبهه ، وتشابهت القلوب، فسباها إبليس وذريته: (كذلك قال الذين من قبل مثل قولهم تشابهت قلوبهم) البقرة: ١١٨
ومن هذا القبيل استدلالهم بالموروث وما كان عليه الآباء، فلم يأت نبي إلا كانت هذه الشبهة من أقوى ما يصد الناس عن دعوته، وينفّرهم من كلامه، وهذه الشبهة كسابقاتها متكررة قديمة ، قال الله تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون) الزخرف: ٢٣، فليس بغريب أن تقول قريش: (إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون) الزخرف: ٢٢ ، فلم يزيدوا حرفا واحدا عما قال قوم إبراهيم لإبراهيم: (بل وجدنا ءاباءنا كذلك يفعلون) الشعراء: ٧٤
وليس بغريب أن تستخدم هذه الشبهة في وجه كل من يحاول أن يصلح أو يغير، وتسدد لكل من يحارب بدعة أو يحيى سنة.
وفعلا فإن هذا العائق يعجز كثير من الناس عن تجاوزه، فكثير منهم وإن ظهر له أنه على بدعة، وأن طريقه على غير ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه يحاول أن يدفع هذا الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لأن في اعترافه بالحق اتهاما لما كان عليه أبوه وجده وقومه وشيوخه...الخ.
فتجده أولا يتمنى بقلبه ألا يثبت عكس ما هو عليه، ثم تجده يحاول دفعه بكل ما أوتي من قوة، ثم في المرحلة الثالثة بعد أن تقوم الحجة ويظهر البرهان، ويزهق الباطل أمام الحق، يفترق الناس، فمنهم من يغلبه الهوى ويعميه، ومنهم من يغلب حب الله وحب رسوله حبَّ غيرهما من أهل ومشائخ، فينجح في اقتلاع هذه الشبهة من أساسها ويعلنها صريحة في وجوههم: "نعم، لقد كان آباؤنا في ضلال" ويمتثل قول إبراهيم عليه السلام : (لقد كنتم أنتم وءاباؤكم في ضلال مبين) الأنبياء 54 وقول محمد صلى الله عليه وآله وسلم : (أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ءاباءكم ) الزخرف 24، وهؤلاء قلة في المجتمعات.
الخاصية الثانية: صدور هذه الأدلة من نخبة المجتمع وعلية القوم (الملأ):
لقد اتفقت هذه الطبقة في المجتمعات، على أن تستلم الزمام، وتقود المعركة، وتواجه الحق، لتبوء بإثمها وإثم من اتبعها: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) النحل: ٢٥
وقد كانت هذه الفئة شديدةً على الأنبياء والصالحين والدعاة إلى الله ، وهم الذين قال الله عنهم : (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون، وقالوا نحن أكثير أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين) سبأ 34-35 ومن تتبع قصص الأنبياء يجد عبارة (فقال الملأ) متكررة في ثناياها.
وقد حكى الله من كيدهم ومكرهم ما أبان عن دورهم عبر الأزمان في مواجهة الحق و إضلال الناس، وهذا ما يصوره لنا هذا الحوار الأخروي الذي حكاه الله في كتابه : (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين، قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) سبأ: ٣١ - ٣٣
إن كون هذه الشبه تصدر من هذه الطبقة الناجحة في المجتمع، المالكة لعصب الحياة، المتحكمة في رقاب الناس، والتي ينظر إليها الضعفاء نظرة إكبار وإجلال، يجعلها تأخذ طابعا خاصا، إذ تلبس عليها هذه الطبقة من لبوسها، وتصبغ عليها من بهاءها، فيكون نجاحها المادي دليلا محسوسا يراه الضعفاء، ويعرفونه حق المعرفة، ويقتنعون به أتم القناعة، إذ ليس لهم معيار للنجاح سواه، ولا يعرفون عنوانا للسعادة غيره، فيصبح لسان الحال يقول: هؤلاء أهل الغنى والسعادة ، وأولائك أهل الشقاوة والبأساء؛ ولعمري إن هذا من أعظم ما يجر القلوب الضعيفة ، ويقنع العقول البسيطة، التي لم تترفع من طفولة العقل في إدراكه للمادي المحسوس، إلى إدراكه للمعنوي المعقول.
وصدق من قال:
إن الغني إذا تكلم مخطئـــــــاً قالوا صدقت وما نطقت محالا
أما الفقيرإذا تكلم صادقــــــــاً قالوا كذبت وأبطلوا ما قـــــالا
إن الدراهم في المواطن كلها تكسوا الرجال مهابةً وجمـــالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحةً وهي السلاح لمن أراد قتــــالا
ولقد أجاد فرعون استخدام هذا الأسلوب في خطابه لقومه، وكان من أقوى أسلحته التي يعتمدها في حربه التشويهية على نبي الله موسى الذي هو –كما يزعم فرعون- مهين ولا يكاد يبين، فكان كثيرا ما يكرر على مسامعهم: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون) الزخرف: ٥١ أي دلالة عقلية أو منطقية في هذا! فكونه يملك مصر، وتجري أنهارها من تحته لا يدل على أنه صادق، أو أن ما يقوله حق، وأن ما يقوله موسى باطل!!
ثم يضيف مستنكراً : (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكيد يبين، فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين) الزخرف: ٥٢-53
فكان دليله الرئيس، وحجته الدامغة، هي المقارنة التي أنشأها بين حاله وحال موسى، ولما كان دليله دليلا حسيا لا يحتاج إلى عقل، خاطبهم بإدراكهم الحسي : (أفلا تبصرون) ولم يقل أفلا تعقلون، لأنه متيقن من خلوهم من التفكير العقلي الذي يتجاوز المحسوس، وهذا هو ما جرأه على الاستخفاف بهم: (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين) الزخرف: ٥٤
إن صدور هذه الأدلة من هذه الطبقة من المجتمع، يعتبر دليلا مستقلا زائدا على الدلالة الأصلية التي تحملها الشبهة، فهو يضيف إليها التصديق، وتكون هذه الحال والهيئة التي عليها هؤلاء الأغنياء، بمثابة شاهد ثقة، يقف بثبات إلى جانب صاحب الشبهة، يصدق قوله، ويجر الناس إليه، ويرد عنه من يعارضه.
وقد استخدمت وسائل الدعاية الحديثة هذا المبدأ، واهتمت به كثيرا، لما رأت من تأثيره الكبير، فلو أردت بيع نظارة رديئة، فإنه يكفيك أن تدفع لرجل من مشاهير الزمان، مبلغا من المال، وتعرضه للناس مرتديا لتلك النظارة، فيحصل لها القبول بغض النظر عن جودتها أو شكلها، وترى الناس مندفعين إلى شراءها بحرص قد لا يدركون سببه، ولا سبب إعجابهم به، بل قد تصبح في وقت قصير من أشهر النظارات، ولو قلت لأحدهم : هذه نظارة رديئة، لعارضه دافع قوي في نفسه....
فكثير من الناس، تأثر بالديمقراطية والعلمانية، ليس لأنه درس أفكارها وتشبع بمبادئها، بل لأنه رأى الملأ من قومه عليها، وقد ينضاف إلى ذلك أنه رأى بعض المتدينين في حالة مادية مزرية، فتجده ينفر من هؤلاء ويميل إلى هؤلاء، ليس لقناعة أو فكر، ولو أتيت تناقشه عن مبادئه وقناعاته، لوجدت هذا الحاجز النفسي العظيم، يحول بينك وبين أن ترده إلى الحق، إلا من عصمه الله.
الخاصية الثالثة: اعتمادها على الشتم والتعيير:
إن القرآن مليء بذكر ما تعرض له المرسلون والصالحون من أنواع السب والشتم والتعيير والاتهام، ولست في حاجة إلى أستدل أو أمثل لهذه الخاصية بأمثلة، فهي سلاح جاهز يستعمله كل مبطل ذي قوة وسلطان ، ليخرص الحق ويقمع دعاته...
ولكني سأتعرض هنا لقضية مهمة، وهي لماذا يلجأ أهل الباطل دائما إلى الشتم والتعيير ؟ ما الذي يحوجهم إلى هذا الأسلوب البعيد كل البعد عن أساليب العقلاء؟
إن الجواب عن هذا السؤال بحد ذاته، يزيد الحق إحقاقا، والباطل إبطالا، لأنه علامة مميزة تستطيع أن تطبقها في ميادين الحياة، وتجعلها ضوءا بين يديك لتستكشف بها الحق في خضم الحوادث، فتعرف لماذا جُلد الإمام أحمد وطيف به في الأسواق، ولماذا سُجن ابن تيمية وتكالبت عليه الأعداء، وأمامك التاريخ لتبحث عن الأمثلة...
إن تأثير أي خطاب يرتكز على أمور كثيرة من أهمها شخصية المتكلم، وهيئته وسمته، ومكانته في النفوس، ولهذا كان الرسل يبعثون من خيار قومهم، وكانوا أحسن الناس وجوها، وأبهاهم منظرا، يحبهم من يراهم، ويثق فيهم من يلقاهم، وما ذاك إلا لأن التأثير يقع بالحال قبل المقال، لأن لسانه أصدق من لسان المقال...
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف بين منازل قبائل العرب الوافدة على مكة أيام الحج، يدعوهم إلى الإسلام، ويعرض نفسه عليهم، فكان يتبعه عمه أبو لهب، ليقوم بأخبث دور كان يستطيع القيام به ، ألا وهو ضرب المصداقية، وزعزعة الثقة، وإزالة العنصر الأساسي في التأثير، وهو التأثير بالحال والسمت.
إن قول أبي لهب للناس الذين تأثروا أول مرة بحديث هذا النبي الذي لم يعرفوه من قبل : "إنه مجنون" ، ليس فيه أي رد على دعواه، أو إبطال لحججه، وإنما هو شيء أعمق من ذلك، وأشد ضررا على الداعية؛ إن التشكيك في المصداقية والاتهام بالجنون والسحر و ما أشبه ذلك من أنواع التشويه التي يعتمدها الباطل تجاه الحق، تهدم الاستدلال من أساسه، وتجعله غير قابل للأخذ والرد والنظر عند كثير من الناس، خصوصا ضعاف العقول.
ولا ينجو من هذا إلا من عصمه الله بعقل راجح، وتوفيق سابق، كالصحابي الجليل الطفيل بن عامر الدوسي، فقد انطلت عليه في بادئ الأمر الحيلة، ومورست عليه اللعبة، وابتلع الطعم، حتى حشا أذنيه الكرفس من شدة ما هوّلوا له من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن شدة ما حذروه من سحر كلامه، إلا أن الله وفقه للتفكير في الأمر، واستخدام العقل والمنطق للنظر فيما يقوله هذا الرجل الذي اتهموه بالسحر والكذب، فكانت النتيجة عكس ما تمناه رؤوس الكفر في مكة، وعكس ما خططوا له، وأصبح هذا الرجل من الصحابة المعروفين الذين أدلوا بدلوهم في تبليغ الإسلام ونشره.
لقد كان دأب المشركين في مواجهة القرآن الكريم قولهم : ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) فصلت: ٢٦ أما مواجهة الحق بالدليل، ومقارعته بالحجة، فلا يستطيعها الباطل إلا في قرى محصنة، أو من وراء جدر، وما أن يواجه الحق حتى يدمغه الحق، فيفر لا يلوي على شيء، وأنّى يستويان؟ (قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور) الرعد: ١٦
الخاصية الرابعة: استخدام المغالطات العقلية:
إن الناظر في استدلالات الباطل، يجدها تعتمد على أسلوب المغالطة، بحيث يقدم لك ما يشبه أنه دليل عقلي، وهو في الحقيقة ليس بدليل، ويكون اعتماده في ذلك على ضعف الإدراك لدى السامع، وعدم تمكن نظره العقلي من تمييز الشبهة ، وكشف المغالطة.
لقد أسس النمرود حواره مع نبي الله إبراهيم على مغالطة عقلية واضحة، لكن الهمج الرعاع سلموا بها، ولم يكتشفوا كذبه حين قال لهم : (أنا أحيي وأميت) البقرة: ٢٥٨
فقاس قياسا خاطئا، حين اعتبر إخراج رجل من السجن بعد أن حُكم عليه بالموت، إحياءً، وقتل رجل بريء إماتةً، وهو في الحقيقة نوع إحياء، ويمكن أن نسمي قتله للرجل البريء إماتة أيضا، وهذا الشبه بين الصورتين، هو ما استغله النمرود ليغالط في القياس، ويجعل الإحياءين شيئا واحدا، والإماتتين شيئا واحداً، ليرد على نبي الله إبراهيم استدلاله على ربوبية الله تعالى، بأنه هو وحده الذي يحيي ويميت...
لقد استغل أهل الباطل القياس الفاسد والمغالطات العقلية، في ضرب العقيدة الإسلامية، وخصوصا في باب الأسماء والصفات، حيث توصل المعتزلة إلى إبطال صفات الله تعالى بالكلية، مستخدمين مغالطة عقلية كبيرة، وهي أن إثبات الصفات لله تعالى يستلزم تشبيهه بخلقه، ومعلوم أنه لا تلازم بين المسألتين، وليس المجال مجال البسط والتفصيل، وإنما هي الإشارة التي يتضح منها المقصد.
إن المنهج الذي سطره نبي الله إبراهيم في التعامل مع هذه الحالة، أن ينتقل الداعية من هذا الاستدلال الذي وردت عليه شبهة المعارض، إلى استدلال أوضح منه إن أمكن، فهذا أفضل له وأقوى في الحجة لدى السامع، فإبراهيم عليه السلام، لم يرد على النمرود استدلاله ، وكان بإمكانه أن يبيّن أن هذا الإحياء ليس إحياءً على الحقيقة، وأن الإحياء الحقيقي هو جعل الروح في الجسد، وكان بإمكانه أن يورد على خصمه إيرادا دامغا بأن يأمره بإحياء الرجل الذي قتله، وأن يرد الروح إلى جسده بعد أن فارقته؛ لكنه انتقل إلى قضية مسلمة لا يستطيع المعارض أن يشكك فيها : (قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر) البقرة: ٢٥٨
بعد هذا كله، أقول:
إن من نعم الله علينا أن ميّز الحق عن الباطل تمييزاً لا يشتبه إلا على من في قلبه زيغ، كما قال تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) آل عمران 7 فإذا خلّص المؤمن قلبه لله، وصدق في بحثه عن الحق، فإن الله ربه سيهديه ولا شك، قال تعالى : (إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم) يونس9
ومهما جد الباطل في حبك شبهه وترويجها فإنها لن تنطلي إلا على من في قلبه مرض ، قال تعالى: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) الأنعام 113 .
أما المؤمنون فقد قال الله تعالى عنهم ( هذا صراط علي مستقيم، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) الحجر 41- 42
نسأل الله أن لا يجعل للشيطان علينا سلطانا بمنه وكرمه.
حامد الإدريسي
كتبها أبو جعفر في 07:19 صباحاً ::
الاسم: أبو جعفر
