رؤية لأمة

الخميس,آذار 27, 2008


الزواج بنية الطلاق ، دعوة للمصارحة

 

كلنا يُسارع إلى إنكار هذه الأنواع من الزيجات، وكلنا يحشد لإنكارها كل ما يعرفه من الفتاوى والأقوال، وكلنا يقول أترضاه لأختك؟ أترضاه لابنتك؟

لكننا نُغفل البحث عن أسباب هذه الظاهرة التي أصبحت خصوصية من خصوصيات بعض المجتمعات التي تبحث عن حلول وفتاوى لإسكات الفطرة البشرية والحاجة الإنسانية.

لست هنا لأنتقد أو أؤيد، لكنني أريد هنا أن نبحث في عمق هذه الظاهرة، وفي الأسباب التي أدت إلى هذا الانفجار الفكري والذي أثرى الساحة الدينية بموضوعات لم تكن مطروحة من قبل بهذا الشكل.

نعم، لم تكن مجتمعاتنا الإسلامية والعربية بحاجة لمثل هذه الفتاوى. فلقد كانت الإماء والجواري كفيلة بملء الفراغ الذي تعجز الزوجة عن ملئه، ولبّينَ على مر العصور الإسلامية الزاهرة احتياجات الرجل دون أن يلجئنه إلى استفتاء مفت أو سؤال فقيه، كل ما عليه ، أن يلملم بعض الدراهم من هنا أو من هناك، ويقصد سوق النخاسة، ليقلب نظره بين الحسناوات وبين دراهمه ويبحث عن أقرب شيء إلى قلبه وإلى دراهمه، فيأخذ من الحسن على قدر ما جمع من المال، وفي آخر الليل يكون قد طوى هذا الملف وحل هذه المشكلة.

لقد كانت المجتمعات في ذلك الوقت تحترم هذه الحاجة الفطرية، وتقدرها حق قدرها، فلم يكن في التعدد أي حرج على الرجل، بل بإمكانه أن ينكح ما شاء، دون أن يحتاج إلى مداراة أحد، أو الاستخفاء من أحد، ودون أن يحتاج إلى تقديم الأعذار والمبررات التي حملته على التعدد للأقرباء والأبعداء، دفاعا عن موقفه، وخوفا من أن يوصف بالخيانة الزوجية كما هو الحال في بعض المجتمعات.

أما اليوم فإن المجتمعات العربية قد تعرضت لغزو فكري واجتماعي من طرف الصليبيين ، الذين ثلثوا في التوحيد، ووحدوا في التعدد، فأصبحنا نقيس الأمور بمقاييسهم، وننظر إلى  الحياة الأسرية بأعينهم، فاستقبحنا الحسن واستحسنا القبيح. وما فكرة الزوجة الواحدة، إلا نتيجة لهذا الغزو الفكري والاجتماعي، فهي فكرة دخلية على المجتمع العربي.

إن المجتمعات العربية والإسلامية لم تكن تستنكر أو تشمئز من التعدد كما هو الحال اليوم، بل كان ذلك حال المجتمع برمته، أو إن شئت فقل: حال الأغنياء وكبار الشخصيات من الحكام والقضاة والأمراء والتجار، ولم يكن يمنع الرجل من التعدد إلا قلة ذات يده، بخلاف رجال اليوم، الذين يرضى كثير منهم أن يغضب ربه بالزنا ولا يغضب زوجته بالتعدد.

 لقد أصبحت مجتماعتنا تعاني من كبت عام، نعم أقول: إن المجتمعات العربية مكبوتة من هذه الناحية إلا القليل، بخلاف المجتمعات النصرانية، التي اضطرت إلى أن تعترف بالخليلة والخليل، بل أثبتت ذلك في قوانينها، ولم يكن لها بد من ذلك، فليس لديهم باب آخر غير الزنا بعد أن حرموا التعدد.

وأستطيع أن أقدم كدليل على ما أقول نموذجاً من آلاف الرجال الذين تخلوا عن حياتهم العاطفية في سن مبكر، فتجد أحدهم بعد أن كبرت زوجته أمُّ أولاده لا يستطيع أن يتزوج عليها، ولا يمكنه حتى أن يفكر في ذلك أصلا، وإن راودته هذه الفكرة يوما، فإنه يطردها أشد طرد، نظرا لما سيترتب على هذا الزواج من مفاسد جمة كما يتصور، أو كما أريد له أن يتصور؛ إن المرأة لها سن معين تصل إليه في حياتها الجنسية، بخلاف الرجل، وهذا أمر يعرفه الخاص والعام.

كما أقدم آلافا من الرجال الذين منحهم الله بسطة في الجسم والمال ، ممن لا تكفيه زوجة واحدة مهما بلغت من الجمال والكمال.

وأظنني لست محتاجا إلى تقديم الأدلة على هذه المسألة إلا لفئة قليلة من القراء الذين هم من سن معين أو من ثقافة معينة، أما الأغلب فإنهم يدركون حجم المعاناة التي يعانيها كثير من الرجال في مجتمعاتنا.

إذن، ثمة فئة من الناس لم تحصل ما يكفي لسد حاجتها الفطرية، وتحت وطأة هذه الحاجة،  ينقسم هؤلاء إلى قسمين: رجل يخاف الله، فيكبت نفسه، ويوجه اهتمامه إلى أمور يحاول أن يقنع نفسه بأنها أولى بالنسبة إلى سنه، وأن مرحلة الاستمتاع والشهوة قد ولت، وأن عليه التفكير في أبناءه ومستقبلهم... ولن أطيل الكلام عن هؤلاء الذين تعايشوا مع الوضع، واستسلموا لضغوط المجتمع، فسأتركهم في حوارهم الدائم مع ضمائرهم، هذا الحوار الذي يتجدد كلما خطفت بصر أحدهم فتاة حسناء... لأنتقلَ إلى القسم الثاني الذي لم يصدق هذه الأحاديث من نفسه، ولم تقنعه هذه الحجج، واستطاع أن يعرف حاجته ويعترف بها، لكنه سلك بها الطريق الآمن –بالنسبة إليه- في هذا الزمن الفاسد، فرمى الدين خلف ظهره وركب الطائرة.

وهناك فئة أخرى غير هذين الفئتين، لكنها لا تدخل في موضوعنا، وهم الرجال الذين تشبعوا بمبادئ دينهم فثبتوا عليها، وتمكنوا من مقاومة كل الضغوط، وتكسير كل الحواجز الاجتماعية، متيقنين أن الله ناصرهم، وأن شريعة الله شريعة السعادة للرجل والمرأة معا، فهذا المقال ليس لهم، فهم في غنى عنه وعن كاتبه بقوله تعالى : (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع).

من بين هذه الفئات نستطيع استنتاج الصنف الذي نتحدث عنه، أصحاب الحلول النصفية، الذين لا هم استطاعوا الوقوع في الزنا، ولا قدروا على أن يقمعوا شهواتهم، ولا استطاعوا أن يتزوجوا كالرجال، أصحاب الفتاوى والأقوال والأدلة، حتى إن أحدهم ليستظهر لك من الأدلة على هذه الزيجات الغريبة العشرات والعشرات...

إنني أعذرهم، ولعلك أيها القارئ الكريم تعذرهم أيضا...

إنهم ضحايا المجتمع الذي يحارب التعدد...

إنهم ضحايا التفريط ، ضحايا السمنة، والأخلاق السيئة التي تميز مجموعة من نساءنا اليوم...

إنهم ضحايا النساء اللواتي يتحولن بعد سنوات قليلة من زوجات إلى أمهات...
ضحايا الخوف والفقر وغلاء السلع وارتفاع الإيجار...

ضحايا الراقصات الممشوقات، والعارضات الفارهات، والممثلات الفاتنات...

ضحايا التخلف الجنسي الذي ما زال معششا باسم الدين في بعض البيوت...

لهذه الفئة أقول:

إنني أوافقكم في البحث عن بدائل للزواج، وأتمنى أن تحل هذه الأزمة الاجتماعية، وحريص كل الحرص على أن ينال الرجل المسلم حقه من المتعة ، كما كان سلفنا وأجدادنا، (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين ءامنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)الأعراف 32 فهي للذين ءامنوا في الحياة الدنيا، خلقت لهم، وهم أولى بها، لكن يشاركهم فيها غيرهم في الدنيا وتتخلص لهم في الآخرة.

إنني أدرك تمام الإدراك ماذا يعني أن يتزوج الرجل امرأة سورية في ريعان شبابها، ترد روحه إلى جسده، وتطرد عنه الشيخوخة. ولو رأى كثير ممن يفتون بالتحريم ما رأيتم وعايش ما عايشتم لداخلته الشفقة والرحمة، وكما قال أبو الطيب المتنبي:

لا تعدل المشتاق في أشواقه   حتى يكون حشاك من أحشائه

إن القتيل مضرجا بدموعه    مثل القتيل مضرجا بدمائه

لست هنا لأطرح فتوى، لكنني أقول لمن يفتي في هذه القضية، لا بد وأن تؤخذ أعماق المشكلة بعين الاعتبار، ولا بد أن يبحث لهؤلاء عن حلول، فما دمنا كفقهاء نقف عند حد التحريم، دون أن نحسس الآخرين بأننا نعيش معهم مشكلاتهم، وندرك حجم معاناتهم، ونحاول إيجاد حلول لهم، فإنه لن يستمع لنا أحد.

ويجب عليه وهو يفتي أن يأخذ بعين الاعتبار أيضا، حال تلك الأسر الفقيرة في تلك البلدان، حيث الصراع من أجل لقمة العيش، وحيث لا يجد الرجل ما يعول به أسرته، أو يدفع به عنها الأمراض، فهو يرى أن زواج ابنته المطلقة أو الأرملة من هذا الرجل الذي يعرف أنه سيطلقها، رغبة في المهر الذي ستأخذه الأسرة، أولى من تحمل المعاناة، فقد يكفي هذا المهر لتوفير المعيشة له ولأسرته سنة كاملة، فهو يرى أن تزويج ابنته بشهود وعقد كامل الشروط تثبت معه الزوجية والنسب والإرث أولى من أن تضطر ابنته إلى العمل في ظروف قد تتعرض فيها لما هو أشد وأنكى.

لعل الكثير من المفتين، لن يتصور ما أتحدث عنه، أو إن تصوره فلن يحس به، فالظروف هنا في هذا البلد مختلفة كثيرا ولله الحمد والمنة.

وإلى أن تتغير أحوال مجتمعاتنا سيبقى الزواج بينة الطلاق الحل الأمثل لكثير من المسلمين ومصدرا مشروعا للدخل لكثير من الآباء.

وإلى هذه الساعة، وإلى آخر حرف من مقالتي هذه، لا يزال كثير من الأسر تنتظر بفارغ الصبر قدوم هذا الزوج لتسديد دين أو علاج مريض.

إن هذه المسألة لن تحل بفتوى هذا الفقيه أو هذه الجهة، إنها لن تحل إلا بنشر أفكار التغيير في مجتمعاتنا المسلمة، وإلا بالدعوة الواسعة إلى تعدد الزوجات، والتوعية الرشيدة لزوجاتنا في أن يطورن أنفسهن، ويحافظن على أزواجهن، وتوعية الرجال بأن الحل الأكمل والأمثل هو الزواج الكامل الذي يحافظ للرجل على كرامته، ويضمن للمرأة حقوقها (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ...



في02,نيسان,2008  -  07:10 مساءً, عبد الله المغربي كتبها ...

بارك الله فيك أبو جعفر
مقال قيم لامست فيه العديد من المشاكل التي يعاني منها مجتمعنا بمختلف أطيافه.

لكنني و ربما لضعف فهمي أحسست ان المقال يشير لزواج المتعة

فهو الزواج الذي يتم بنية الطلاق و هو محرم طبعا ، فهل هي دعوة لتبنيه كما تقول المصالحة ؟

فقط توضيح يزيل الاشكال؟

شكرا لك

في05,نيسان,2008  -  06:00 صباحاً, أبو جعفر كتبها ...

أما زواج المتعة فليس هو الزواج بنية الطلاق، لأن الأول لا تكون فيه المرأة زوجة كاملة الحقوق، ولا يحتاج إلى ولي أو إعلان، ولا يثبت به مهر ولا إرث...
أما ما ذكرته، فهو زواج تام الشروط، لكن الزوج يكون ينوي أن يطلق المرأة بعد فترة من الزواج بها، ويقدم وهو يضمر هذه النية، وهذا هو موضوع المقال، أما زواج المتعة فهو حرام بإجماع الأمة ، إلا أقوالا شاذة لا يعتد بها.
والله يغنينا وإياك بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه.