حرية فتاة فرصة شيطان
كتبهاhameddd ، في 25 أكتوبر 2009 الساعة: 17:00 م
عندما نتذكر فلسطين وأهل غزة، والعراق ولبنان وأفغانستان، وغيرها من بلاد الإسلام، نتقطع حزنا ونحن نرى إخواننا يقتلون وبلادنا تستباح وأعراضنا تنتهك، فنحزن كثيرا لتلك الصواريخ والقنابل التي تأتينا من سماء الكافرين…
لكن المشهد الذي لا يراه كثير منا، بل لربما رأوه بعين أخرى، هو مشهد تلك الصواريخ الفكرية والقنابل الأخلاقية التي تضرب في سلوكنا، وتهدم قيمنا كي يبنى على أنقاضها أسلوب حياة، ونمط عيش، وطريقة تفكير.
وهذه في الحقيقة هي التي تقتلنا كأمة، وتبيدنا كحضارة، أما مصارع الرجال تحت القنابل، وجثت الأطفال تحت الرماد، فهي الشهادة، وفي الأرحام خلف، وسنة الله لا تجد لها تبديلا، وقدره ماض، وحكمته بالغة، وهي كبوة نوشك أن ينقذنا الله برحمته منها، أما تدمير الأخلاق، ومسح الهوية، ونكس الفطر، فتلك الطامة الكبرى والحالقة التي تحلق جل الأمة من على وجه الأرض، وتجعلها بشرا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
إن هذا الهجوم الأخلاقي الذي يتعرض له المسلمون كل يوم وهم بيات نائمون، أو ضحى يلعبون، لهو خطر شديد، لأنه هو الذي يذهب بنا كأمة ويأتي بأناس آخرين، وهو الذي يمهد للهزيمة المادية، والتبعية الاقتصادية، ويجعلنا قبلة كل مستعمر، وشهية كل سلاح جديد.
إن المسلم والعربي وكل فرد من هذه الأمة، ليس بشيء، لولا قيمه ودينه وأخلاقياته، وما يحيط ببدنه من معان ومباديء، تجعل منه شيئا مختلفا عن الكافرين، وبشرا سويا متميزا عن البهائم، ولولا هذا لكان ماكينة تصنع القاذورات، وتلوث الطبيعة، لا أقل ولا أكثر، ولكان الحمار الذي ينفع الناس خير منه، بل لكان للذباب مكان في الدورة البيولوجية أهم من مكانه فهو خفيف يأكل الجراثيم ويبيد الجثث، قال تعالى: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم[1]) وقال تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا[2]).
إننا نتحدث الآن حين لم يعد للحديث نفع إلا أن يشاء الله، فلقد اجتاحت هذه المباديء أمتنا، وفاضت بين أراضينا كما تفيض المجاري في الحواري، وأصبح في كل مكان مناد ينادي حي على أسلوب حياة جديد، وقيم جديدة، وعالم جديد، فيجاوبه مناد آخر، ويردد أنغامه بصوت مختلف، ومن مكان مختلف ومن زاوية أخرى، ويصفق لهم آخرون، ويستعينون بأدلة الباطل-انظر مقال أدلة الباطل-، فيستدلون بالكثرة، وبالنجاح، وبالتطور، ويقولون كما قال فرعون: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي[3])، ويقولون للزوجة المحتشمة هلمي إلى خضم الحياة، واخلعي حشمتك، وأبدي مفاتنك، وابتسمي للحياة، وارم عنك لباس التخلف والرجعية، ويقولون للزوج المحافظ على أسرته، الساهر في حمايتها وحفظها من كل سوء، كفاك تسلطا وجبروتا وقمعا للحريات ، كيف لك أن تمنع الفتاة من دراستها الخارجية، وشهادتها العالية، ألست تثق في ابنتك، عليك أن تربيها على الثقة بالنفس، والتحكم في الإرادة، أما حرصك وتتبعك فهو قمع لا فائدة منه، وكم من الفتيات انحرفن مع حرص آبائهن، وانظر إلى مجتمعنا البديل الذي لا ذئاب فيه، إنما هي علاقات ودية سامية، وبشر يشبهون الملائكة، لا ينظرون إلى المرأة أنها متاع، وإنما هي إنسانة، يعشقون فيها إنسانيتها وروحها، وهم يقفون في ندائهم هنا، ولا يبدون لك من خطوات إبليس إلا هذا الحد، فهم يعرفون ما سيفعله هو وجنوده بعد ذلك.
ويقولون ويقولون، لكنني أريد أن أتوقف عند قولهم هذا وأترك أقوالهم الأخرى لصفحات غير هذه، لكي أبين خطورة هذه المباديء التي يزينونها للغافلات من الفتيات اللواتي تحملهن طيبتهن على تصديق كل ما يقال في الفضائيات، ولا يتصورن أن هذا الرجل المبتسم يتكلم بلسان شيطان، ويحاور بلسان شيطان، فتنطلي على بعضهن الحيلة، وتقف أمام المرآة وتقول: أنا إنسانة حرة، واثقة من نفسي، فإن لم يسعفها حظها بأب يرشدها ويحوطها، أو أخ أو زوج، فإنها تبدأ في فقدان قيمتها كفتاة مسلمة منذ هذه اللحظة، وتفتح لها هذه الكلمة أبواب الانزلاق على مصراعيه، فتلج إلى الباطل بكلمة حق، وتفتح باب الرذيلة وهي تظنه باب الفضيلة…
والأطم من هذا أن تكون أمها وأبوها مصدر هذا الكلام، فيربونها على هذه المباديء التي لا تأتي في العادة إلا طقما كاملا من القيم كل واحدة تدعو إلى أختها، فتنمو هذه الفتاة أوروبية في جسد مسلمة، ويصبح المجتمع مشاركا لزوجها في جزء كبير من جمالها وأنوثتها، فهذا يضحك معها حتى يطيب، والآخر يتغدى معها في اجتماع عمل، وذاك يصافحها بقبلاته البريئة، وهي الآن في اجتماع عمل مغلق مع رئيسها، وبعد قليل في حافلة يدك الناس فيها بعضهم بعضا، والكل ينظر إلى معالم جسدها مقبلة مدبرة، وهي مع كل هذا واثقة من نفسها ومن إرادتها، تعرف ما تريد، لكنها لا تعرف ما يراد بها، تظن أنها تساهم في نهضة البلاد، لكنها تسقطها إلى الحضيض، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا يعني أنك مستبد تدعو إلى الرجعية وترفض حرية المرأة؟!
على العكس تماما، لكنكم لم تبينوا ماهية الحرية وحدودها، ولم تتقيدوا بتعاليم الشريعة وقوانينها، أردتموها نزوا كنزو الأباعر في الصحاري، وفتنة تتلف الشباب وتقتل كرامته، لهثاً خلف هذه، وجرياً وراء تلك، بحاراً من الشهوات تغرق كل فضيلة، وأعاصير من الهوى تذهب بكل ذي عقل، نحن مع حرية المرأة لكن ما هي الحرية؟
هل الحرية أن نحل ما حرم الله؟ ونكشف عن المرأة لباسها الذي ألبسها الله، وصبغتها التي فطرها الله عليها؟ هل الحرية أن أبعث بابنة في سن المراهقة إلى بلاد الخنى والفجور وأعرضها للفتنة؟ كفاكم تلاعبا بعقولنا، واستصغارا لأفهامنا، وتهميشا لآرائنا، فالباطل باطل وإن ردده الإعلام، ونشرته الصحف، وأيده أكابر المجرمين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
ودعيني أكشف لك أختي باقي خطوات إبليس التي يخفيها هؤلاء، فيظهرون لك العسل المصفى، وما هو إلا أن تضعي فيه أناملك البريئة حتى يسري فيك سمهم الزعاف.
إن المسألة ليست في أننا نشكك فيك أو في ثقتك بنفسك، بل أنت إن شاء الله واثقة من نفسك، ثابتة على مبادئك، لكننا لا نثق في المجتمع الذي أنت فيه، نحن نشكك في الذين من حولك، ممن يكيدون لك المكائد، ويتصيدون قلبك ومشاعرك، ويظهرون لك الود والخلق الجميل، يخاطبون فيك الأنوثة، ويلعبون لعبتهم التي يتقنونها، وأنت بمشاعرك النبيلة وحسن ظنك الجميل، تكونين الهدف، وقد لا تكونين الضحية، لكننا لا نريدك أن تكوني الهدف، ولا نريدك أن تمكني كل مختال متعجرف معجب بكلامه الجميل، من ممارسة هوايته الرذيلة، وما أكثرهم في زماننا.
وأؤكد لك أن كل الفتيات قبلك، كن شامخات بأنفسهن، معتزات بقيمهن المستوردة، تراه الفتاة كتحد جديد، فيعجبها ما تجده في نفسها من ثبات في بعض المواقف، وتستمتع حينا من الزمن أنها تلعب بالنار ولا تحرق يديها، وأنها وإن مكنت لنفسها ما مكنت فإنها تتجنب السقوط، وتثبت على هذا الجسر المليء بالحفر المهلكة، لكن إبليس أذكى وأنكى، وهذه خطوة من خطواته البعيدة الأمد، حتى إذا ما ظنت أنها أميرة قلبها، ومالكة قرارها، دفعها الشيطان خطوة أخرى إلى الأمام، ثم تركها حينا من الدهر كما فعل معها في الخطوة التي قبلها، ثم خطوة أخرى، ثم يحيطها بالملهيات، ويضعف الدين في قلبها، ويملأ عليها حياتها أفلاما ومسلسلات، وممثلين وممثلات، فإذا ما صار قلبها هواء، وامتلأ بالمرح واللهو، وضعف فيه حصن الإيمان والدين، وأحس بأنها صارت في شباك خطواته، بعث إليها شيطانا من شياطين الإنس، يتكلم بلسان معسول، ويجيد التغنج والابتسام، ليس فيه من ملامح الرجولة شيء، فسهل عليها التواصل معه إذ هي لا تحس معه بأنها مع رجل، وصوره لها بصورة الصديق الوفي، أو الأخ الناصح، أو الزميل المعاون…
وها يبدأ إبليس في صياغة قصته المعروفة باسم الحب، ويمارس معها عذابه للمحبين والعشاق، حتى يذيب إرادتها، ويقتل شموخها، ويستمر معها في هذه القصة حتى نهايتها المعروفة، إلا أن ينقذها الله من ذلك، فيجذبها من بين يديه جذبا، ويردها إلى بحر الأمان، لذا قال لنا الحق سبحانه: (لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم[4]).
حريتك أختي المسلمة كفتاة لها الكثير من المتعلقات، فليست قراراتك راجعة عليك أنت فحسب، فلست عضاة في فلاة، بل أنت فلانة بنت فلان بن فلان بن فلان، أخت فلان خالة فلان عمة فلان، وهذا هو الفرق الجوهري بينك وبين من تريدين أن تتبعي ثقافتها، فهي لا علاقة لها بأحد، ولا يهتم لأمرها أحد، ولا يبكي على موتها أكثر من شخصين أو ثلاثة في أغلب الأحيان، بل قد تموت الأم ولا يعرف ابنها بخبرها إلا حين يأتي لزيارتها على رأس السنة، فهي إن ابتذلت رخيصة أصلا، وإن سقطت لم يُسمع لسقوطها صوت، ولم يأسف على رذالتها أب سكير، أو أم سبقتها إلى هذه الطريق.
أختي… هذا الجمال الذي وهبك الله، هل هو ملك لك؟
طبعا، لم يجعل الله ملكه بيدك، وهذا من حكمته سبحانه ورحمته، ولو جعله بيدك، لتسابق الرجال يريدون الحصول عليه دون تحمل مسؤولية، أو حفظ حقوق، ولصرت فرصة لكل من تقع عيناه عليك، لكنه جعل لك وليا رجلا راشدا عاقلا، قد عايش الرجال، وخبر أسرارهم، وعرف خيارهم من شرارهم، واستبطن نواياهم، حتى شاب في ذلك قرناه، فهو يحرص على مصلحتك، ويختار لك من يأخذ هذا الجمال بحقه، ويعاملك المعاملة التي تستحقينها كإنسان.
إن الحرية لم تكن أبدا أن يفعل كل إنسان ما يريد، ولا يمكن أن يقوم مجتمع على أن يفعل كل ما يريد، ولو أردنا أن نطبق مباديء أوروبا فإن علينا أن نغير الكثير من خصائصنا كرجال، فنلغي الغيرة والكرم والشهامة والنجدة وغيرها من الصفات، بالإضافة إلى إلغاء الدين، واتخاذه ظهريا، وأي أحمق يريد أن يفرط في كل هذا من أجل أن تفعل فتاة طائشة ما تريد!
إن الفتاة حين تقع ضحية حب كاذب، فإنها لا تغامر بعذريتها فحسب، بل لعل هذا من أقل الأخطار التي تتهددها إذا ما قارناه بالأخطار الأخرى، فهي مهددة بفقدان كرامتها كإنسان، وهذا أقوى ما يمكن أن يستخدمه الشيطان ليقود ضحاياه إلى حيث يريد، فيشعرهم باليأس والقنوط، ويجعلهم يحسون بالرغبة في العزلة عن المجتمع السليم، ويجعل لهم رفقاء من ضحاياه، وقرناء من أعوانه، ويحتنكهم إلى جهنم أجمعين، إلا من رحم الله رب العالمين.
وأخيرا، فما أريده هو أن أطلعك على ما تحت الغطاء، لتعرفي أن هذا الكلام الذي ظاهره فيه الحرية، باطنه فيه الخسران المبين، في الدنيا ويوم الدين، ثم ما ثمة من سعادة، ولا ثمة من تحرر، إنه تحرر من شريعة الرحمن، وارتماء في قيد الشهوة والشيطان، فاستمسكي بقوله تعالى: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله[5]) واستشرفي قوله تعالى : (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما[6])
حفظك الله أخيتي معلَمةً للطهر ، وعنوانا للفضلية.
[1] ) محمد:12.
[2] ) الفرقان:44.
[3] ) الزخرف:51.
[4] ) النور:21.
[5] ) النساء:34.
[6] ) الأحزاب:35.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























