يوم في الجنة
كتبهاأبو جعفر ، في 8 نوفمبر 2008 الساعة: 05:52 ص
يوم في الجنة…

وبعد أن فرغت من ذلك الطير المشوي، مددت يدي وتناولت رمانة متدلية نحوي، فركتها بيدي، فانسابت حباتها كعقد جمان وتناثرت كأنها تريد الفرار، قبل أن أضع أول حبة في فمي، نظرت إلى ملاك حوريتي الجميلة، فقررت أن أناولها هذه الحبة الحمراء، لأن بينها وبين خدودها الحمراء تناسبا عجيبا، أطبقت بشفتيها الباردتين على طرف أناملي وابتسمتُ وأنا أسحب يدي وأعيد نظري إلى تلك الحبات الحمراء المتناثرة…
قررت عند ذلك، أن أتمشّى فما زال هناك الكثير من الحدائق الغناء التي لم ترها عيني إلى الآن، ضغطت على يدها اللينة وأقمتها، فهبت كأنها غزال أقلقه أحد، وقمت إلى جانبها أرفل في الحلي والحرير، وأكاد لا أبصر طريقي من كثرة التفاتي إلى وجهها الجميل، أخذنا في طريقنا ذات اليمين، ومشينا تطأ أقدامنا الزعفران والمسك، وأخذت أتذكر تلك الطعنة التي نقلتني إلى هذا العالم الجميل، ليتني أعود إلى الحياة الدنيا بآلامها وهمومها كي أقتل مرة أخرى، فيكرمني ربي ويفرح بي كما فرح بي حين قابلته ودمي يفوح برائحة المسك…
جلسنا بجانب نهر لونه عجيب، ورائحته زكية، مددت يدي إليه، وشربت منه شربة أحسست بطعمها ينساب في عروقي، ويخالط روحي، التفت متعجبا حين سمعتها تضحك بصوتها الذي يحكي صوت جريان الماء، ونظرت إليها وعلى وجهي علامات الحيرة؟ إنه نهر من خمر لذة للشاربين، حسن، لقد عرفت مكانه، لا بد أن نهر اللبن قريب منه، لكن لا رغبة لي في اللبن اليوم، ونظرت فإذا بجانب تلك الشجرة أقداحا من ذهب، فهمت ملاك ما أريد، فخفت إلى تلك الأقداح، وناولتني أحدها…
آه لقد أطلنا المكوث هنا، أظن أن أخي أبا عبد الرحمان، قد زارني ولم يجدني، لم لا أعود. أين ملاك؟ أخرجت رأسها من النهر، بينما طفا شعرها الأسود إلى جانبها، أنا هنا…
لم أكن أظن أن السباحة في نهر من خمر ستكون بهذه المتعة، لكن لا بد أن نعود يا ملاك، هيا بنا…
كم أحتاج من الوقت كي أتعرف على مملكتي الواسعة! لم أكن أظن أن ثوابي يصل كل هذا، من هؤلاء النسوة هناك يا ملاك؟ لا بد أننا تأخرنا فخرجت حورياتك يستقبلنك، نظرت إليها، عجيب، كيف ذهبت غيرتك التي عهدتها فيك من قبل…
إنه صباح جميل، لكن مرافقتك يا أبا عبد الله أجمل، لقد حرصت على أن أقضي هذه الجمعة بصحبتك، لأنك لا تفرغ لي خلال الأسبوع، وخصوصا مع مغنيتك الحسناء، التي شغلتك عنا وعن إخوانك…
لا تلمني يا أخي، فلقد علمت كم كنا في شوق إلى هذه الأيام، فـ (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب، ولا يمسنا فيها لغوب)…
كم بقي على مكان السوق؟ لا عليك لقد شارفنا على الوصول، وهاهم المؤمنون يتجمعون من أطراف الجنان، ليحضروا يوم المزيد، ما أجملهم وما أبهى صورهم (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) ، انظر هناك، هذه وفود الصحابة يتقدمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم…
انقلب يمينا حيث منابرنا التي نجلس عليها…
كيف حالكم لقد اشتقنا إليكم، أقسم بالله يا أبا علي لقد ازددت جمالا وبهاء منذ قابلتك هنا آخر مرة…
وأنت كذلك، فهذه آثار ريح الشمال التي تهب علينا، وإني لأرجع إلى أهلي فأراهم قد ازدادوا حسنا وجمالا ويروني كذلك، هيا اذهب إلى منبرك من اللؤلؤ واجلس، فقد دنت الساعة…
ما أجمل هذه الساعة، وما أجمل الساعة التي تليها، حين يطل علينا ربنا تبارك وتعالى، فننظر إليه ونستمتع برؤيته، فهي أحب إلينا من كل نعيم…
سوف أستيقظ بعد قليل، لأرى ملاك …
أستيقظ!!
لست في الجنة إذن! فليس في الجنة نوم!
نعم…
ما زلت في الدنيا، وما زلت في الامتحان، أسأل الله منّه وفضله: (لمثل هذا فليعمل العاملون، أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم، إنا جعلناها فتنة للظالمين، إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم، ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم).
فشمر يا أخي ليكون هذا الحلم حقيقة لا خيالا، فما في الجنة لا يمكن أن يدركه عقل أو يتصوره حس، اللهم زحزحنا عن نارك ، وارزقنا جنتك، وأدخلنا في رحمتك، يـــــــــــــــا أرحم الراحمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فضاء القول | السمات:فضاء القول
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 8th, 2008 at 8 نوفمبر 2008 1:24 م
مؤثر للغاية
حقا..مقال جميل..
اللهم بلغنا الجنة..
أين زوجتك لتقرأ هذا الكلام فتخنفك..
نوفمبر 8th, 2008 at 8 نوفمبر 2008 10:13 م
رائع يا ابو جعفر هذا التصوير منك ،فعلا _ إن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون…اللهم لا تحرمنها يا رب
نوفمبر 9th, 2008 at 9 نوفمبر 2008 6:03 م
أعجيتني قوة يقينك بوعد الله وذكرتني بقول الشاعر:
وإني لأرجو الله حتى كأنما أرى بجميل الظن ما الله صانع
وأبهجتني تلك اللحظات الرائعة التي أصابتني بقشعريرة وذكرتني بقول الشاعر:
يسقون من خمر لذيذ شربها … بأنامل الخدام والولدان
لو تنظر الحوراء عند وليها … وهما فويق الفرش متكئان
يتنازعان الكأس في أيديهما … وهما بلذة شربها فرحان
ولربما تسقيه كأسا ثانيا … وكلاهما برضابها حلوان
يتحدثان على الأرائك خلوة … وهما بثوب الوصل مشتملان
أكرم بجنات النعيم وأهلها … إخوان صدق أيما إخوان
وأحزنتني تلك النهاية التي ختمت بها وذكرتني بقول القائل:
واعمل لجنات النعيم وطيبها … فنعيمها يبقى وليس بفان
آدم الصيام مع القيام تعبدا … فكلاهما عملان مقبولان
قم في الدجى واتل الكتاب ولا تنم … إلا كنومة حائر ولهان
فلربما تأتي المنية بغتة … فتساق من فرش إلى الأكفان
(عسى أن أكون أبا عبد الرحمن الذي صحبك هناك) صالح القيم