الابتسامة حياة
كتبهاأبو جعفر ، في 28 أكتوبر 2008 الساعة: 13:12 م
عرَّف بعض الفلاسفة الإنسان بأنَّه هو الحيوان الضَّاحك، ولعمري إنَّه لتعريف دقيقٌ مُميز للإنسان عن غيره من البهائم؛ ذلك أنَّ هذه الخاصِّيَّة العجيبة فيها من أسرار الله - عزَّ وجلَّ - في خلقه الشَّيء العجيب؛ فالإنسان هو الكائن الحَيُّ المدرك لهذا الكون من حوله، وبهذا الإدراك صار إنسانًا، وليس ضَحكُه أو تبسُّمه إلاَّ تفاعلاً مع هذا الكون الرَّائع، وإلاَّ مَظهرًا من مظاهر الجمال التي أودعها الله في هذا الخلق الفسيح.
إنَّك حين تنظر إلى المبتسم، ترى لوحة ناطقة، ووَرْدة مُتفتحة، وعبيرًا فوَّاحًا، تصلك نسائمُه، وتُخالط قلبك؛ فتبعثُ فيك بهجة فرح، ونهسة سعادة، ثُمَّ تتململ تلك الأشياء وتصعد؛ لتفيض من محياك ابتسامة هي أخت تلك الابتسامة، جاءت حين رأتها، وبادرت حين أحسَّتها، ولم تترك لك فُرصة اتِّخاذ القرار، بل بغتتك دون أيِّ مقدمات كردَّة فعل طبيعيَّة على الابتسامة الصَّادقة، التي غَمَرك بها هذا الوجه المُبتسم، فتلاقت الابتسامتان وتعانقتا بصدق في منظر أخَّاذ.
ابتعد أيُّها الغليظ الجافُّ الحادُّ المكفهر الذي لم تُحرِّكك هذه الابتسامة، ولم تجد لديك من غلظ طبعك لها جوابًا، فانقلبت خائبة، وخفتت بعد أنْ كانت مشعة، ابتعد لا تفسد علينا مقالَتَنا هذه بوجهك البئيس.
تعالَ معي - يا قارئي العزيز - إلى مَعْنى أعلى من هذا، تعالَ معي إلى أساسٍ عظيم من أُسُس الإسلام وقواعده، تعالَ معي إلى قوله - تعالى -: {
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((لا يُؤمنُ أحدُكم، حتَّى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه))، إلى أوَّل ما بَنَى عليه الرسول ذو الخُلُق العظيم - صلوات رَبِّي عليه - دولته في المدينة؛ لتحضر مَشهد العناق بين المُهاجرين والأنصار، وقد تآخَوْا بأُخُوَّة الإسلام التي تَوَارَثوا بسببها في أوَّل الأمر، قبل أن يُنسخ هذا التَّوارُث بقوله - تعالى -: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 6].ثُم أطلَّ من هذا المكان على الابتسامة، فتُدرك مَرْتبتها في الدِّين، وتدرك مكانها من لبنات الأُخُوَّة والحب في الله الذي جعله - صلى الله عليه وآله وسلم - شرطًا لدخول الجنًة وللإيمان، قال - صلَّى الله عليه وآله وسلم -: ((لا تدخلوا الجنَّة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا، أفلا أدُلُّكم على شيء إذا فعلتموه تَحابَبْتم، أفشوا السَّلام بينكم))؛ فسَلِّم مُبتسمًا تكنْ بسنة نبيك مُلتزمًا.
إنَّ الابتسامة وقود الحياة ونورها، والحياة بدونها لا لَوْنَ لها ولا طعم، وكأنَّها أبيض وأسود فقط، بل إنَّ الابتسامة عنوان للحياة السعيدة، ولو أردنا أنْ نرسم الحياة بكُلِّ جمالها لكفانا من كُلِّ ذلك أن نرسم ابتسامة.
إنَّ خيرَ من مشى على هذا الكوكب، وخير من عَرَج إلى هذه السَّماء، وأجمل من نظرت إليه الأعيُن، وأليَن من صافحته الأكفُّ، وأطيبَ مَن استمعت إليه الآذان - كان أكثر النَّاس تبسُّمًا، وقال عنه من رآه: “ما رأيت أحدًا أكثر تبسُّمًا من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم”، وقال جرير بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه -: “ما رآني رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلاَّ تبسَّم في وجهي”، وقالت زوجه عائشة أمُّ المؤمنين - رضي الله عنها -: “كان ألْيَن الناس وأكرم الناس، وكان رجلاً من رجالكم إلاَّ أنَّه كان ضَحَّاكًا بسَّامًا”.
دعني أعرض عليك نوعين من الناس، بل لعلك أدركت أحد النَّوعين مُبتسمًا، وأدركت الآخر جاهِمًا عابِسًا، هات نعرضهما على خُلُق نبيِّك الكريم؛ لتعرفَ أيَّهما أبعد بُعدًا وأسحق سحقًا، فبما تباعدوا عن خلقه في الدُّنيا سيتباعدون عن مَجلِسِه يوم القيامة؛ قال - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((إنَّ أحبكم إليَّ وأقربكم منِّي في الآخرة مَجالس أحاسنكم أخلاقًا، وإنَّ أبغضكم إليَّ وأبعدكم منِّي في الآخرة أسوؤكم أخلاقًا: الثرثارون المُتفيهقون المتشدقون)).
إنَّ تبسُّمك صَدَقة تتصدق بها على الفقير والغَنِي، على الشريف والوضيع، على من يستحقُّ ومن لا يستحقُّ؛ قال - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((تبسُّمك في وجه أخيك صَدَقة))؛ فبادرْ بهذه الصدقة التي لا تكلِّفك شيئًا، وإلاَّ فلا بخل أشَدَّ من بُخلك، ولا لؤم أكبر من لُؤمك؛ إذ بَخَلْت بشدِّ عضلة وجهك إرضاءً لربك، وتطبيقًا لسنة نبيِّك.
قد تكون عن هذا الخير بعيدًا، وعن هذه العادة الحسنة غافلاً؛ فتذكر أنَّ العلم بالتعلُّم والحِلْم بالتحلُّم، واعلم أنَّ من فوائد الابتسامة ما قد ذكرت لك من مصالح آخرتك، ثُمَّ إنَّ فيها من مصالح دنياك ما سترى عاقبته في وُدِّ الناس لك، وميلهم إليك، وارتياحهم إلى وجودك، ورغبتهم في صحبتك، وطمعهم في رؤيتك، واستبشارهم بمطلعك، ولينهم معك، وحبهم لك، ما سيملأ نفسك رضًا، وضميرك راحةً.
ثُمَّ إنَّ فيها من الفوائد الطبية مِمَّا ذكره الأطباء 23 فائدة، منها أنَّها تساعد على تخفيف ضغط الدَّم، وتنشط الدَّورة الدَّموية، وتزيد من مناعة الجسم، وتُساعد المخَّ على الاحتفاظ بكَميَّة كافية من الأوكسجين، ولها آثار إيجابيَّة على وظيفة القلب والبَدَن والمخِّ، وتخفف من حُموضة المعدة، وتزيد من إفرازات الغُدد الصَّمَّاء، وتؤخر عوارض الشَّيخوخة، إلى غير ذلك مِمَّا هو ليس بمستغرب على كلِّ سنة أمرنا بها الرسول - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - مِمَّا فيه صلاحُ قلوبنا وأرواحنا وأبداننا.
أخي المبتسم، أختي المُبتسمة، أخي المكشر، أختي المكشرة:
لا تظنَّ أنِّي قد بالغت، فما قُلْته دون ما يستحقه هذا الخلق الجميل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : لنحيا | السمات:لنحيا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 28th, 2008 at 28 أكتوبر 2008 2:06 م
قال علي سلام الله عليه
المؤمن بشره في وجهه وهمه في قلبه
بارك الله فيك على هذا الموضوع
نوفمبر 5th, 2008 at 5 نوفمبر 2008 3:36 م
Salaam Hamed, a picture means a thousand words. I think that my nephew’s photo sums it all. May Allah bless you and your sons. Wa Jazaka Allahu Khairan
Amine Chigani–