رجل الحسبة، نعمة أم نقمة

كتبهاhameddd ، في 4 يونيو 2008 الساعة: 09:01 ص

 

بعد أن انشقت بعض المجتمعات الإسلامية إلى شقين، وبعد أن جذبت الحضارة الجديدة، وأنماط العيش الغربية أحد شقي المجتمع المسلم، أصبحنا نرى ونسمع بعض ما لم نكن نراه أو نسمعه من قبل، فلمّعت بعض الوجوه، وعلت بعض الأصوات فأصبح لها صدى حين رددها رويبضات الإعلام، وحين أبدؤوا وأعادوا فيها الكلام، حتى اضطروا عقلاء المجتمع إلى مناقشتهم، وكلفوا العلماء عناء الرد على ترهاتهم، جليا للحق من صدأ الباطل، ودفعا للشبه عن العقول الغوافل، فدارت الحروب، وارتفع الغبار، وكان في وسط هذه المعركة، قلم يحترق، يريد أن يتساءل…

ماذا ينقمون على رجل الحسبة؟

إنه يحول بين المرء وحريته الشخصية، زعموا…

لا بد لنا إذن من تصور صحيح لمسألة الحرية الشخصية، التي يمتطيها كل من أراد القدح في الشريعة وأحكامها، فكم من الحملات الفكرية قد شنت على إسلامنا العظيم، باسم “حفظ الحريات الشخصية” لذا فإن تحرير هذه الجزئية سيساعد في إزالة اللبس وتحرير النزاع بيننا وبين هذه الفئة الجديدة في مجتمعاتنا.

إن لفظ الحرية قد وضع ليخدم قضية نشأت تحت وطأة ظلم واستبداد الكنيسة النصرانية، وقد أريد له أن يكون لفظا واسعا ليتسع للقضية التي وضع لها،  فكانت تعاريفه فضفاضة ومتباينة حتى إن أحد المفكرين وهو(آيزا برلين‏)، يقول “إن التعريفات التي طرحت للحرية قد بلغت حتى الآن المئتي تعريف”، وهنا مكمن الخطورة، فعدم وجود قيد محدد للحقل المعرفي الذي تحمله الكلمة، يجعلها قاعدة واسعة تتحمل كل ما يبنى عليها من نظريات، وهذا الأسلوب من أخطر الأساليب التمويهية التي تسحب الجماهير المتعطشة إلى أمثال هذه الألفاظ.

 ولعل أقرب هذه التعاريف تعريف (جون‏ استيوارت، ميل‏)، حيث يقول: “إن الحرية عبارة عن قدرة الإنسان على السعي وراء مصلحته التي يراها، بحسب منظوره، شريطة أن لا تكون مفضية إلى إضرار الآخرين‏”.

إن المفهوم الإسلامي يضيف إلى هذا التعريف بعض العناصر الأساسية، التي تجعل النظرة الإسلامية للحرية الشخصية أوسع وأشمل، فهي لا تكتفي بإعطائه الحرية للسعي وراء مصلحته فقط، إذ إنه قد يعرف مصلحته وقد يجهلها، كما أن قدرته على السعي وراءها قد تكون كاملة وقد تكون ناقصة، لذا فإن الدين يدل الفرد على مصلحته ويرشده إليها في الدارين، بل يغذي قدرته على السعي وراء هذه المصلحة بالثواب والعقاب، كما يمنع عنه العوائق التي تحول دونه ودون مصلحته.

فالدين يحرم على الإنسان الانغماس في الملذات، أو الإسراف في الشراب، أو تعاطي المخدرات، حتى يضمن له تحررا كاملا من الشهوات، ويضمن له قوة نفسية وعقلية متوازنة، تمكنه من تحصيل منافعه في الدنيا والآخرة.

كما أن الإضرار بالآخرين ليس هو القيد الوحيد لهذه الحرية، كما جاء في تعريفهم، بل يشترط فيها أيضا ألا توقع الضرر بنفس الشخص الذي يريد ممارسة هذه الحرية، فالمبدأ الإسلامي الكريم لا يفرق بين الشخص وغيره، ولا ينظر إليه كوحدة مستقلة منعزلة، بل الأمة كلها نفس واحدة، والمسلمون كلهم جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، وهذه قاعدة عظيمة نبه عليها القرآن في مواضع، منها قوله تعالى {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}، وهذا مستو عال من النظم الاجتماعية التي لم يصل إليها منظرو الحرية المحدثون.

لن ينكر أحد على الطبيب إذا منع المريض من تناول طعام معين فيه إضرار بصحته، بل هذا أمر يحمد عليه الطبيب، وما على المريض إلا أن يسلّم للطبيب، ويلزم نفسه الامتناع عما وصف له من الطعام، وليس لعاقل أن يقول إن هذا تدخل في الحرية الشخصية.

إذن، الإنسان يمنع مما يضره ويؤذيه، وهذه مسلمة عقلية لا يختلف عليها أحد من العقلاء. بقي أن نحدد المضرة التي تلحق الإنسان حين يقع في المعاصي، والتي على المحتسب أن يقوم بمنعه من إلحاقها بنفسه أو بغيره، تماما كدور الطبيب الذي يمنع المريض من تناول هذا الطعام أو ذاك، حرصاً على صحته من الهلاك.

بقي إذن أن نحدد طبيعة الضرر الذي يلحق البشرية بفعل المعاصي…

لقد نبذت المجتمعات النصرانية كل القيود الأخلاقية والدينية جريا وراء كلمة الحرية، لتقدم لنا واقعا اجتماعيا مريراً، يشهد على فساد هذه النظرية، وعدم صلاحيتها لتسيير شؤون الناس.

لقد بحثوا عن السعادة فوقعوا في الشقاء، بحثوا عن الحرية فوقعوا في عبودية الأهواء والرغبات، جربوا كل شيء، لم يتركوا بابا إلا ولجوه، ولم يتركوا عيبا إلا اقترفوه، قلّبوا فطرتهم في كل واد، وهاموا في كل مذهب، سكر ورقص، زنى وسرقة، اغتصاب وقتل، لواط وسحاق، زواج بين الجنسين، عقوق وشقاق، عصابات وإجرام، جنون وانتحار، حتى أصبحوا عنوانا للانحراف، وعاراً في تاريخ البشرية، وسبةً لكلمة الحرية ومدلولها النبيل.

ويكفي النظر السريع إلى أحوال تلك المجتمعات، لندلل على أن ما أسماه الشرع معاصي، وشدد في الوعيد على من وقع فيها، ما هي إلا عواصف عاتية، تعصف بالمجتمعات، وتحيلها إلى خراب.

فلنا الآن أن نقول، ليس لمن يقع في المعاصي أن يتقي بالحرية، لأن الحرية لا تسمح للإنسان بأن يلحق الضرر بنفسه، وبمجتمعه.

ولنا أن نقول بعبارة أخرى، إن من حق المجتمع أن يمنع صاحب المعصية من إيقاع الضرر بنفسه وبمجتمعه.

وهنا يظهر لنا دور المحتسب في أبهى صورة، وأعظم مسؤولية، إنها مسؤولية حفظ الأمن الأخلاقي للمجتمع.

لا يمكننا أن نتخيل مجتمعا لا شرطة فيه، ولا رادع يحجز الناس بعضهم عن بعض، فلا بد إذاً من وجود أناس يحفظون على الناس أموالهم، ويمنعون السارق وقاطع الطريق؛ فحفظ أموال الناس من أن يعتدى عليها أمر ضروري لا تستقيم الحياة إلا به، كذلك حفظ أعراض الناس وعقولهم، وليس دور الشرطي أهم لسلامة المجتمع من دور المحتسب الذي يحفظ أعراض الناس من أن يتلاعب بها ضعاف النفوس، وسفهاء الأحلام، فإذا كان الشرطي يحفظ على الإنسان ماله ونفسه، فإن المحتسب يحفظ عليه عرضه وعقله ودينه…

إن الإنسان محتاج لحفظ عقله وعرضه ودينه، كحاجته لحفظ نفسه وماله، وما الضرر الحاصل على من غُصب عرضه، بأقل من الضرر الحاصل على من غصب ماله، بل هو لعمري أشد وأنكى.

ولنلق نظرة على هذا الرجل المتهم بالتعدي على حريات الناس، لنرى مدى الظلم الذي يمنعه هذا الجندي الخفي…

فكم دمر هؤلاء السحرة من أسر وعوائل، وكم أفسدوا من علائق وقطعوا من أواصر، يسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين، يفرقون بين المرء وزوجه، ويؤذون عباد الله، ولا يستطيع إلا مجادل أن ينكر دور الحسبة في محاربة هذه الجرثومة في المجتمع، واستئصال ضررها وتتبع شبكاتها، فكم من مجنون تعافى، وكم من مريض برئ، وكم من أسرة اجتمع شملها، وكم من زوجة عادت إلى زوجها…

ولو نظرنا إلى بعض المجتمعات، لرأينا ماذا فعل فيها السحر والسحرة، ولولا الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله، لكان الحال أسوأ مما هو عليه اليوم بكثير، ولباض هؤلاء السحرة وفرخوا، وقروا واستقروا، وامتلكوا رقاب الناس يسومونهم سوء العذاب…

كم تصرف الدول من الأموال، وكم تخصص من الميزانيات، لعلاج من وقعوا في شرك الإدمان، وعاقروا المسكر والمخدر، حتى اضطربت صحتهم، واختلت عقولهم، وفسدت حالهم، فاستساغوا الإجرام، واعتادوا الفساد، وأصبحوا كلاًّ على مجتمعهم، وعبأ على أسرهم، وبُؤراً للجريمة ولقمة سائغة للانتحار، فأقامت لهم دولهم المستشفيات، وابتكرت لهم العلاجات، وصرفت عليهم الأموال الطائلة، لكي تعيدهم إلى الحياة بعد أن يئسوا منها، وما زالت تلك المجتمعات تتوجع من هذا المرض إلى اليوم.

ولو أنهم استناروا بأنوار الشريعة، ونظروا من خلالها، لعرفوا أن الحمية أصل العلاج، وأن الخمر أم الخبائث، ولأدركوا أن سر تميز البشر عن الحيوانات والبهائم، هذا العقل الذي أكرمه الله به، عندها سيمنعون إتلاف العقل وشرب المسكر، ولقد عرفوا ذلك وحاولوا منعه مرات ومرات، لكنهم فشلوا في ذلك، وأصبح هذا سببا في ظهور هذه العصابات المتخصصة في تهريب الخمور كالمافيا وغيرها…

إن رجل الحسبة وهو يهَريق هذا المشروب الخبيث، ويقتحم مصانعه وأوكاره، يحفظ على الإنسان عقله وفكره، بل يحمي أسرته وأبناءه من شره، فكم نخر هذا المشروب اللعين في المجتمعات، وأفسد على شاربيه حياتهم، حتى تركوا الوظائف، وتخلوّا عن الواجبات، وركنوا إلى زجاجاتهم غير عابئين بدنيا أو بدين، يتمنى أحدهم لو يستطيع الخلاص منها ومن تأثيرها الذي يسلب الإنسان إرادته، ويملك عليه قراره، وعندما يمنعه رجل الحسبة من تدمير نفسه وإفساد عقله وتشتيت أسرته، يتهمونه بمنع الحريات الشخصية!!…

لقد شددت الشريعة السمحة في موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة، وحاولت أن تتقي كل ما قد يؤدي إلى وقوع المحظور، فقال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} فنهى عن الخلوة والكلام الماجن والنظرة تلو النظرة، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: “ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء” صحيح البخاري. وقال: “فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء” صحيح مسلم. كل هذا لحفظ العرض والنسل، وحتى لا تأتي المرأة ببهتان تفتريه بين يديها ورجليها، فتُدخل على الزوج في أبنائه من ليس منهم، وتصبح المرأة أكلة ينتهشها كل جائع، ويُختزل دورها في إشباع الرغبة، وقضاء الوطر، فيدخل الفساد العريض، وتختل التركيبة الأسرية، وتنحل الأمومة، وينقلب المجتمع إلى مجتمع شهواني، يعيش على الرذيلة، ويستثمر أمواله في الخمارات والمراقص ودور الزنى، وهذه بلاد الله شاهدة.

إننا في إدراكنا لخطر الزنى، ندرك مباشرة الأهمية القصوى التي يتحلمها رجل الحسبة، والدور العظيم الذي يناط به تجاه مجتمعه وأمته، بحيث يعتبر عنصرا مهما في التركيبة التحصينية التي تقي الإنسان من الوقوع في الخطأ، بالإضافة إلى دور التعليم ودور التربية، بل إن دوره أساسي في تقويم ما اعوج وتعديل ما انحرف.

إن المحتسب حين يمنعك من الوقوع في الزنى، يكون قد أعانك على نفسك، وأعانك على شيطانك، وحفظك لأبنائك وأسرتك، وكان دعماً لك في مواجهة نزوات النفس ورعونة الشباب، فهو الأب الحاني على ابنه، وهو الطبيب المشفق على مريضه، وهو الأخ الناصح والصديق الوفي.

وليس من حق أحد أن ينكر على رجل يعين الأب على بناته، ويحفظ الزوجة لزوجها، والأم لأبنائها، والأخت لإخوانها، يحوط عنهم العار، ويحمي شرفهم من الأشرار، ويعينهم على مسؤولية التربية… لن ينكر عليه إلا ميت الغيرة ، منكوس الفطرة، مطموس البصيرة، ديوث يرضى في أهله الشر، منافق يسره أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.

إن كل مفسد لا يتم فساده إلا بالعبث بحقوق الناس من حوله، فالزاني لا يزني إلا بامرأة رجل، أو أخته أو أمه أو ابنته، والسارق لا يسرق إلا من مال غيره، والقاذف لا بد له من عرض يقذفه، والسكران يفعل كل هذا حين يفقد عقله، والعارية تثير على الشاب شهوته، وتتحرش برجولته، فلو تركنا لهم الحرية في فعل ما يشاءون لفسدوا وأفسدوا، وأضروا بحريات مجتمعهم، ووقعوا في أعراض غيرهم…

فلا حرية لزان يستميل الغافلات المؤمنات، ولا حرية لعارية تجعل من جسدها دعاية للفساد واستفزازا للنزوات ، ولا حرية لمراب يمحق البركة من البلد ويمنع القطر من السماء.

إنما الحرية كل الحرية لمن يدعو الناس إلى الخير، ويحرص على نجاتهم في الدنيا والآخرة، {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : في ظل الإسلام | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر