التقليد والاتباع

كتبهاhameddd ، في 29 مايو 2008 الساعة: 08:34 ص

التقليد والاتباع

إن كل مسلم ملتزم بدينه، حريص على مرضاة ربه، لا بد وأن تستوقفه مسائل تعرض له، لا يتبين له فيها حكم الله، ولا يعرف فيها الحلال من الحرام، أو المباح من المكروه، أو الفاضل من المفضول، فيلجأ إلى قوله تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، وبعد السؤال يأتيه الجواب جوابين، والقول قولين، فيحتار فيم يختار، وهذا السؤال وهذه الحيرة وهذا الهم وهذا الانشغال، كله عبادة مأجور عليها، مثاب فيها على اهتمامه واغتمامه، وبحثه وسؤاله، فهو في كل ذلك محقق لواجب العبودية، مؤد لفرض الطاعة، وهذا سر من أسرار وجود مثل هذه المسائل المتشابهة التي لو شاء الله لما جعل فيها خلافا…

والذي أريد أن أؤكده في هذه المقدمة قبل أن أتطرق للموضوع، أن على كل مسلم أن يتوقع وقوعه في هذا الاضطراب، وأن ينتظر شيئا من هذه الحيرة، لأن هذا الاختلاف أمر حاصل في أمور الفقه وجزئيات الشريعة، ولا مفر منه بحال من الأحوال، ولو قدر لأحد أن يسلم منه، لسلم منه الصحابة الكرام، تلامذة المصطفى عليه الصلاة والسلام، فلقد كانوا يختلفون في المسائل، بل كانت المجالس تعقد ويدعى لها أهل بدر، وما زال الخلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم، وبين التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، خلافا لا يفسد للود قضية، ولا يوقع في القلوب ريبة، ولا يبعث في النفوس ضغينة، وعاشوا في ظل هذا الخلاف كما قال الله عنهم : ( رحماء بينهم) ؛ فلا مأخذ على الفقهاء اليوم في اختلافهم، ولا سبيل إلى أن تتحد أقوالهم، وتتفق أجوبتهم، وليس عليهم عتب في ذلك، وليس لهم مناص عنه، فهذا من حكمة الله وإرادته…

لكن ما ذا يفعل المسلم عندما تختلف عليه المسائل ويقع في هذه الحيرة:

إن الناس هنا أحد رجلين: مقلد أو متبع، أما المجتهد فليس مقصودا في حديثنا، فقد ارتاح بما لديه من فضل الله وعلم الشريعة.

أما المقلد، فقد عذره الله كما عذر أصحاب الأعذار، ولم يكلفه عناء البحث والفهم والتدبر، لانعدام الآلة، وانقطاع الوسيلة، فليس له إلى فهم النص من سبيل، وليس له بمعرفة الدليل حول ولا قوة، ولو قيل له الدليل كذا وكذا، لم يفهم ذلك ولم يستطعه، فهو يقول بلسان حاله :  (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) ويقول : (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فأقصى وسعه أن يسأل من يراه ذا دين وعلم، ويثق في إخلاصه وصدقه، فيقلده أمره، ويأخذ عنه دينه، ويكون هو حجته ودليله، وفعله هذا كالتيمم لفاقد الماء، وكالميتة للمضطر، فمتى ما ارتفع عنه الجهل، وأصبح قادرا على فهم نصوص الشريعة، قرآنا وسنة، فهناك ترتقي حاله، ويسقط عذره، ويصبح كالمتيمم وجد الماء، وكصاحب الميتة وقد وجد الطعام، فليس له حينئذ عذر في أن يقلد بلا دليل، ويطبق بلا فهم، ويتعبد بلا علم…

فالله عز وجل قد تعبدنا بالعلم، قال تعالى : (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) فجعل العلم مقدما على العمل، فلا يقبل منا أن نعبده على جهل وتقليد، إلا في حالة الاضطرار، وهي ما قدمنا ذكره بالنسبة إلى من لا يستطيع الفهم، وأيضا عندما يضيق الأمر ولا يجد المسلم الفسحة من الوقت ليبحث عن الدليل، فيحتاج إلى التقليد حتى لا تفوته العبادة، ويعتبر في حالته تلك مضطرا.

ولننتقل الآن إلى الحالة الثانية، وهي حالة المتبع، وهذه حالة عامة المسلمين، من المثقفين والدارسين، ومن لديه معرفة متوسطة باللغة العربية، ويفهم الكلام العربي العادي، ويقرأ ويكتب بالعربية، ويفهم القرآن والسنة…

وهنا لا بد من مقدمات…

أولا: لقد جاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، مخاطبة كل مسلم، وحجة على كل فرد من أفراد هذه الأمة، كما قال تعالى : (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)، وقال تعالى : (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم، فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) ، ولبين لنا الله عز وجل، اختار لنا أفصح رسول، وبعثه بأبين كتاب، وآتاه جوامع الكلم، وكان صلى الله عليه وآله وسلم غاية في الفصاحة والبيان، بحيث لا مزيد عليه بأبي هو وأمي صلوات الله عليه، وهذا هو ما يليق بمفهوم الرسالة والرسول، فلا بد لمرسل الرسالة أن يبين ما يريد، ويوضح ما يقصد من رسالته، ويستخدم لذلك لغة المخاطب التي يفهمها، بحيث تقوم عليه الحجة، ويصل المعنى إلى عقله وإدراكه.

أما إذا خاطبه بلغة لا يفهمها، ولا يصل خطابها إلى مستوى إدراكه، فإننا لا نلوم المرسل إليه إن لم يمتثل، لعدم وضوح الرسالة، وعدم أدائها للمعنى المقصود من إرسالها.

من هنا نقول، إن نصوص الشريعة غاية في الوضوح والبيان، ولا يمكن أن يأتي فقيه من الفقهاء، أو عالم من العلماء، بنص أوضح وأبين من كلام الله عز وجل، وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

بقي أن نضيف، أن هناك نصوصا في الشريعة متشابهة، لا يستطيع إدراكها إلا أولوا العلم، وهذا لا إشكال فيه، كما قال تعالى : (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات) لكن الإشكال في تحديد نسبة هذه النصوص المتشابهة، من النصوص المحكمة.

والذي تشير إليه الآية بأنه أم الكتاب هو المحكم لأنه الأكثر والغالب، أما المتشابه فعبرت عنه بأخر، وهو من جموع القلة، وهذا هو ما تقتضيه الحكمة، ويؤيده الواقع، فأغلب نصوص القرآن والسنة، هي نصوص واضحة محكمة، ويكفي لمن ارتاب في ذلك أن يأخذ المصحف بين يديه، ويفتح أي صفحة من صفحاته، ويقرأ بتدبر واستحضار، فسيجد أن الكلام واضح بين، وأن المعنى الإجمالي الذي تقصده الآية ظاهر وجلي، ولا خفاء فيه، فعلى سبيل المثال، كل من يقرأ قوله تعالى : (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) فإنه يفهم أن الزاني يعاقب بالجلد مائة جلدة، ويجب ألا نرأف به في ذلك، وأن يحضر الجلد طائفة من المؤمنين، ثم إن قرأ بعدها: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) تبين له أن نكاح الزانية أمر سيء يجب الابتعاد عنه، وهذا المستوى في الفهم كاف لمن أراد أن يتذكر، أما أن يستنبط الأحكام ويعرف شروط الرجم وموانعه وأحواله، ويعرف ما تضمنته الآية من مزيد أحكام وحكم، فهذا لا يحتاج إليه المسلم العادي، وإنما هو من اختصاص أهل العلم، أما غيرهم فيكفيه ما في الآية من تحذير من الزنا، وتنفير عنه…

وهكذا جل آيات القرآن الكريم، ظاهرة بينة، إلا أن فيها مزيدا من الأحكام والحكم التي تخفى على غير أولي العلم، وفي المعنى الظاهر كفاية وغنية…

 وإذا كان هذا في القرآن فإن الحال في السنة أيسر، لأن لغتها أقرب إلى الأفهام، وإلى معتاد الكلام.

فيتبين من هذه المقدمة أن فهم خطاب الشرع أمر ممكن متيسر، لأن الشارع أراد مخاطبة الناس كافة، فخاطبهم بلغة يفهمونها، وبمستوى تصل إليه مداركهم، ولا حجة لأحد في أن يتعذر بعدم فهم النص أو عدم وضوحه، إلا من ذكرنا حالهم ممن عذر الله، وإلا بعض ما هو من المتشابه الذي قال الله عنه : (والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا) وقال تعالى : ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنطونه منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا).

ثانيا: ليس بمقدور كل أحد من عموم المسلمين، ممن لم يفرغ نفسه للعلم، ولم يتأهل لمكانة العلماء، أن يجد الدليل ويستخرجه من نصوص الوحيين، وإنما ذلك للعلماء، وهذه جزئية مهمة، تفهم بها الجزئية التي بعدها…

فوضوح نصوص الكتاب والسنة، لا تعني الاستغناء عن دور العلماء، أو أن يعمد المسلم إلى المصحف يقلبه، أو إلى أحد كتب الحديث يبحث فيها ليفتي نفسه، ويعرف حكم الله في حادثته، بل لا بد من العلماء.

وهنا يأتي دور العالم، وهنا ينتهي، فهو الذي يدلك على موضع الدليل من الكتاب والسنة، أو القياس أو الإجماع، وقد يحتاج إلى مرحلة أخرى فوق هذه، وهي تبيين ما قد يشكل عليك فهمه مما ذكرنا من الآيات والأحاديث المتشابهة؛ فوظيفة العالم تبتدئ بالدلالة، وتنتهي بالبيان، فهو يدلك على موضع الدليل، ثم يبينه لك إن لم يكن بينا، ويفسره لك إن كان به غموض.

فهو كالطبيب يصف الدواء ولا يشفي، وإنما الذي يسبب الشفاء بإذن الله هو الدواء، وأخذك إياه بشرائطه وأوقاته، فكذلك العالم. يدلك على الدليل، والدليل ينير قلبك إن كان المحل قابلا، وإن كانت الشرائط متوفرة، وإن كان الله كتب لك الهداية.

يتبع إن شاء الله… مع تحيات محبكم حامد الإدريسي

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : لنحيا | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “التقليد والاتباع”

  1. كتاب الله تعالى – كما قرره الأصوليون- قطعي الثبوت ظني الدلالة، و ظنية الدلالة هذه مأتاها طبيعة القرآن المعجز، ذلك أن منه الواضح أو البين- كما قال الطوفي في الإكسير- الذي تفهمه العرب من لغتها لبيانه ووضوحه. فهذا لا حاجة له إلى تفسير.و من القرآن ما هو غير واضح إما لاشتراك أو غرابة أو ظهور تشبيه. و هذا القسم هو المحتاج إلى التفسير و البيان.الأول أنزله الله تعالى ليتعبد عامة الناس بتطبيقه لوضوحه و بيانه، و الثاني أنزله الله لحكم متعددة منها ليتعبد العلماء بالاجتهاد فيه و الاستنباط منه، لذلك أثنى الله على العلماء من عباده، و ليتعبد عامة الناس بتقليد العلماء فيما قرروه فيه

  2. أشكرك على هذه الحاشية المفيدة … و مرحبا بك في مدونتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر