بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بين للناس طرق الهدى، وأرشدهم إلى مافيه السعادة وحذرهم مما فيه الردى، فوعد من أطاع وأوعد من اعتدى والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه ومن اقتدى.
أما بعد:
فإن الحج شعيرة من شعائر الإسلام، وموسم من مواسمه العظام، يجتمع فيه المسلمون من كل البلدان، وتفتخر فيه الأمة الإسلامية بتعدد الأجناس والألوان، وتعلن فيه انتشار كلمة الله في بيوت المدر والوبر، وفي بلدان العرب والعجم والبربر، قوم اختلفت لغاتهم واتحدت كلمة لا إله إلا الله في ألسنتهم، تعلقت قلوبهم بالبيت الذي تهوي إليه أفئدة من الناس، وتشتاق إليه قلوب العاشقين، فكم من متمن وكم من متحرق وكم من باك وكم من مشتاق…
إن المتأمل في هذه الصورة الجميلة، يرى ربا كريما رحيما، وضيوفا مشفقين وفدوا عليه من كل البقاع، جوا وبرا وبحرا، قد انتظروا هذا اليوم بشوق، وأنفقوا في سبيله الطارف والتليد، لكي يوافوا بيت ربهم، ويشهدوا كرم مليكهم، فكلهم يرجوا نوال هذا الملك العظيم، الذي تتضاءل أمام ملكه كل الملوك، كيف لا وهو الذي وسعت رحمته كل شيء، وخزائن ملكه منذ خلق الخلق لم ينقص منها شيء، فيا ترى كيف ستكون ضيافتهم! وكيف سيكون كرم مليكهم!
إن علاقة الضيف والمضيف هي التي تربط الحاج بربه، فما أن يصلوا إلى عرفة حتى ينالوا القرى ويكرموا بالجائزة، فيقال لهم : "انصرفوا مغفورا لكم" هذا وهم لم يقضوا تفثهم ولم يكملوا بعد حجهم، إذ من تمام الكرم تعجيل القرى.
إن كل أحكام الحج مبنية على هذه الضيافة، فكله لطف بالحاج وتيسير عليه، لذا كان شعار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحج: "افعل ولا حرج". وإن مما يبغض الله عز وجل أن يقتل الحاج في حرم الله، وتزهق روحه بسبب زحام على سنة، أو تدافع على فضيلة، فوالله إن القلب ليحزن لما يرى من أنواع العناء والمشقة التي يقاسيها كثير من الحجاج بسبب عدم أخذهم برخص الله عز وجل، وبسبب بعض من يتصدرون لإفتائهم، بل إهلاكم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لذا فقد آثرت أن أطرق هذا الموضوع لأبين طبيعة هذه العبادة المبنية على التيسير الذي بنيت عليه الشريعة كلها، لكنها في الحج أظهر لما سنشير إليه بحول الله تعالى ولا يفوتنا أن نعرج على بعض القضايا التي تندرج ضمن موضوع التيسير في الحج، وقبل هذا لا بد من التذكير بسماحة الشريعة عامة وفي الحج خاصة، فنقول وبالله التوفيق:
أولا: سماحة الشريعة:
لقد كانت شريعة الإسلام الشريعة الخاتمة، لذا فقد خصت بخصائص ميزتها عن سائر الشرائع التي كانت تنزل لبيئة معينة، وزمان معين، وأفراد معينين، فكان من أهم خصائصها أنها شريعة التيسير، بل كان هذا من أخص أوصافها، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واصفا شريعته في كلمة مختصرة شاملة : «بعثت بالحنيفية السمحة».
لقد أشار القرآن الكريم في كثير من الآيات إلى هذا المقصد العظيم الذي جاءت الشريعة لتحقيقه، ومن هذه الآيات :
1- قوله تعالى : (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه … إلى قوله : ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) [الأعراف:157]
2- وقوله: (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا) [البقرة:286]. «قال الله تعالى: قد فعلت».
3- وقوله : (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [البقرة:286]
4- وقوله: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) [النساء:28]،
5- وقوله : (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلك تشكرون) [المائدة:6].
6- وقوله (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) البقرة 185.
فالله عز وجل يريد بعباده اليسر، لذا فإن من المتفق عليه بين العلماء، أن "المشقة تجلب التيسير" وأن "الأمر إذا ضاق التسع" فلا تكاد تجد بابا من أبواب الشريعة إلا وجدت فيه من الرخص والتيسيرات ما يؤكد سماحة الشريعة الإسلامية ويسرها، فلا صوم على المريض، ولا على المسافر، ولا على الحامل، ولا يتوضأ من خاف على نفسه الضرر بالماء، ويقصر المسافر صلاته ويجمع، ويومئ المريض ولو بعينه في الصلاة، وينطق المكره بكلمة الكفر إذا خاف على نفسه القتل، إلى غير ذلك من المسائل التي يطول المقام بتتبعها، وكلها تدل على أن مقصد الشارع من هذه الأحكام التكليفية هو ما عبر عنه بقوله عز وجل : (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ولقد كان في قوله يريد الله بكم اليسر دليلا مفهوما على عدم إرادته العسر، إلا أنه أكد المعنى بقوله (ولا يريد بكم العسر) يقول سيد قطب رحمه الله تعالى : "وهذه هي القاعدة الكبرى في تكاليف هذه العقيدة كلها . فهي ميسرة لا عسر فيها . وهي توحي للقلب الذي يتذوقها بالسهولة واليسر في أخذ الحياة كلها؛ وتطبع نفس المسلم بطابع خاص من السماحة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد".
ولقد كانت هذه الغاية العظيمة من أهم المقاصد التي حرص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ترسيخها في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم، ونقض ما يضادها، فكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا)وفي رواية (وبشروا ولا تنفروا)وكان صلى الله عليه وسلم كما قالت زوجه عائشة الصديقة رضي الله عنها : (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما) فكان هذا دأبه صلى الله عليه وآله وسلم، أب مشفق على أبناءه ونبي رحيم يرجو التخفيف لأمته، يراجع ربه عز وجل في الصلاة حتى أوصلها إلى خمس بعد أن كانت خمسين، ويترك أمر أمته بأشياء خوفا من أيشق عليهم. قال صلى الله عليه وسلم للذي سأله عن الحج كل عام: (لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وكان ينهى عن السؤال الذي يفضي إلى التعنت فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (ذروني ما تركتكم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) وقال : (إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته)وقال : (إن الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وترك أشياء من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها ولا تبحثوا فيها).
ولم يقبل لظاهرة التشدد أن تنبت في أوساط مجتمع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فقال عندما بلغه عن النفر الأربعة الذين أرادوا التزهد : (أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون) .
وغضب صلى الله عليه وآله وسلم على أبي بن كعب حين اشتكى منه أحد المصلين من كثرة ما يطيل في صلاة الفجر ، قال الراوي فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبا منه يومئذ، ثم قال : (يا أيها الناس إن منكم منفرين فمن أم الناس فليتجوز فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة)، وقال لمعاذ حين أطال في صلاة العشاء : (أفتان أنت أو أفاتن، ثلاث مرات).
وكان صلى الله عليه وسلم يقول : (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة).
والمتتبع لأحوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهديه في شريعته يجده كما وصفه ربه عز وجل بقوله : (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) التوبة 128 .
ثانيا : مبدأ التيسير في الحج:
إن الحج عبادة عظيمة، وشعار من شعائر التوحيد، وهو سنة أبينا إبراهيم عليه السلام، الذي امتن الله علينا بأن جعلنا على ملته، كما امتن علينا بأن جعلنا من ذريته: (ملة أبيكم إبراهيم) وليس هناك من هو أرحم بالابن من أبيه، فليس يأمره إلا بما فيه صلاح له ويسر عليه.
والحج من العبادات التي بنيت على التيسير، لأمور:
1-أنه من ألصق العبادات بملة أبينا إبراهيم الحنيفة السمحة، من حيث كونه شعيرة أعلنها بنفسه، وأذن لها بصوته، وبنى كعبتها بيده، وأغلب شعائر الحج إنما تحكي قصته مع ابنه إسماعيل وزوجه هاجر، رضي الله عنهم أجمعين، ولهذا جاءت آية رفع الحرج في سورة الحج رابطة التيسير بنسبة هذه الملة إلى إبراهيم عليه السلام، قال تعالى : (وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم).
2-أنه محل اجتماع وازدحام، يقصده الناس من كل صوب، يفارقون من أجله الأهل والأبناء، ويهجرون لزيارته الأوطان والبلدان، فكان التيسير أليق بضيوف الرحمن، حتى لا يقعوا في الحرج الذي يسببه الزحام، ولا يكلفوا من العناء ما ينضاف إلى عناء الرحلة ومشقة السفر، فإن ربهم الكريم يباهي بهم ملائكته عند مجرد وقوفهم في عرفة، بعد أن بذلوا كل غال ونفيس ليتوافدوا عليه، فكان التيسير قراهم، والمغفرة هديتهم، والجنة مأواهم.
إن التيسير يلازم الحاج من قبل أن ينوي هذه الفريضة ومن حين يشرع فيها حتى يعود إلى بيته…
فالحج في الأصل مقرون بالاستطاعة، ولا يحج إلا من وجد زادا يكفيه، وزادا لأهله يبقيه، وراحلة تقله، وطريقا آمنا يسلكه، وصحة تبلغه، ولا حج عليه إذا فقد شيئا من هذه الأشياء، ولو قارنا الحج بالصلاة مثلا، لظهر لنا اتساع دائرة التيسير في الحج بخلاف الصلاة التي لا تسقط عنه وهو في فراش المرض، أو تحت بارقة السيوف وسط المعركة…
بداية الشطر الثاني:
ثم يبتدئ في الترخص من أول يوم يربط فيه أمتعته ويشد فيه رحله، إذ هو مسافر يرخص له كل ما يرخص للمسافر.
وقبل أن يلبس إحرامه ويدخل في النسك يأتيه التيسير في اختيار النسك الذي يرغب في الدخول فيه، وما المتعة في الحج إلا رخصة من الرخص، وباب من أبواب التيسير التي شرعها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تخفيفا عن أمته، ورفعا للمشقة عن صحابته مع أنهم لم يكونوا قد أحرموا بالتمتع، فأمرهم أن يحلوا ويأتوا نساءهم، يقول جابر رضي الله عنه : "فقدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح رابعة مضت من ذي الحجة، فأمرنا أن نحل، فقال: حلوا وأصيبوا النساء…فقلنا لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني! … فقام النبي صلى الله عليه وسلم فينا فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا، فحللنا وسمعنا وأطعنا"
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ