معاً نشيد العلم، من أجل العمل
مركز المغرب العربي للدراسات والتدريب، هو أول مؤسسة فكرية من هذا النوع في المملكة المغربية، تقوم بتقديم الخدمات العلمية والفكرية في مجالات متعددة، كما تقوم بتقديم الدورات التطويرية في مجالات التنمية الذاتية والتسويق.
| ► | نوفمبر 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | ||||

معاً نشيد العلم، من أجل العمل
مركز المغرب العربي للدراسات والتدريب، هو أول مؤسسة فكرية من هذا النوع في المملكة المغربية، تقوم بتقديم الخدمات العلمية والفكرية في مجالات متعددة، كما تقوم بتقديم الدورات التطويرية في مجالات التنمية الذاتية والتسويق.
توصيف العلاج لمن منعت زوجها من الزواج
الحمد لله الذي أنزل شريعة كاملة لا عوج فيها ولا أمتا، وضمن السعادة لمن تمسك بها بقوله : (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى)، والصلاة والسلام على خير البرية محتدا ومنبتا، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
لماذا أطرح هذا الموضوع؟
إن عددا من الأخوات اللواتي سيقرأن هذا الموضوع، سيقابلنه بوجه عابس، وقلب نافر، لأنهن لا يردن لأزواجهن أن يفكروا في هذا الموضوع أصلا، لكنني لم أكتبه إلا للواتي أحسسن من أزواجهن السعي الأكيد للزواج، أو اللواتي دخلن في صراع نفسي مرير وهن يحاولن جاهدات منع أزواجهن من التعدد، أو اللواتي ابتلين بوجود ضرات في حياتهن، فلعلهن أن يجدن في مقالتي رؤية تساعدهن على التفاعل الصحيح مع الوضع، وتفادي الكثير من العقبات النفسية التي يستطعن إن تغلبن عليها أن يحيين حياة سعيدة مع أزواجهن رغم ما حصل من أمر التعدد…
لماذا يريد الرجل التعدد؟
كثير من الزوجات ، عندما يفكر زوجها بالتعدد، ترجع اللوم إلى نفسها، وتسيء الظن في جمالها، وتتهم تصرفاتها، وتقول إن سبب تفكيره في الزواج أنني كذا وكذا، وهذا ما يسبب لها انكسارا نفسيا، وحزنا عميقا، لكن لتعلمي أيتها الزوجة، أن الأمر ليس كما تظنين، فالزوج لا يبحث عن ثانية لضرورة وجود نقص في الأولى، بل على العكس، قد تكون الأولى حبيبة قلبه، ونور عينيه، لكن فطرته الرجولية هي التي تشكل له الدافع الكبير والأساسي، وقد يكون هناك دوافع أخرى كتقصير الزوجة في بعض الأحيان، لكن ليس الرجل كاملا حتى تكون المرأة كاملة، وليس تقصيرها هو السبب الرئيس الذي يدفعه إلى التعدد.
ولكي تتأكدي من أن السبب ليس من الزوجة بل من الزوج يكفي أن تعرفي أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قد تزوج على عائشة الصديقة وهي خير نسائه وأكملهن جمالا وعقلا وأحظاهن مكانة عنده، ومع كل هذه المواصفات التي لا يمكن أن تجتمع في غير عائشة رضي الله عنها، تزوج عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرارا.
وإن لم يقنعك هذا المثال وقلت في نفسك ذاك رسول الله، فانظري إلى فاطمة بنته رضي الله عنها وأرضاها، من مثلها في الجمال والكمال بأبي هي وأمي، وقد أراد زوجها علي بن أبي طالب وهو من هو في المكانة والعلم والخلق والدين أن يتزوج عليها، حتى قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر ونهاه عن ذلك، وفي هذا أعظم دليل على أن المرأة مهما كملت أخلاقها وحسنت صفاتها فإن الزوج قد يفكر في الزواج عليها.
فليس رغبة الزوج في الزواج دائما بسبب تقصير من الزوجة أو عيب فيها، بل في كثير من الأحيان، لا يكون الدافع إلا مجرد الرغبة في الازدياد، وحب التغيير، والاستجابة لدافع الفطرة، وتلبية لحاجة النفس… وقد يكون لدى الزوج دوافع أخرى كتقصير الزوجة مثلا، لكنها ليست الدوافع الأساسية.
إن المرأة لا يمكنها وهي امرأة أن تتصور دوافع الرجل إلى التعدد، كما لا يمكن للرجل أن يتصور آلام الطلق أو نفسيات المرأة في الوحم، فهذه فوارق بين الجنسين لا يمكن شرحها، فللرجل نظرة إلى المرأة مختلفة تماما عن نظرة المرأة إلى الرجل، وغالبا ما نقع في إشكاليات كبيرة إن حاولنا أن نقيس الرجل على المرأة أو المرأة على الرجل.
فلا لوم عليك أيتها الزوجة في هذا القرار الذي اتخذه زوجك، ولا دخل لك فيه، وإن كان ثمة أخطاء أو تقصير، فحاولي إصلاحها دون أن تربطي ذلك بالتعدد، إذ أن حسن التبعل هو واجب ديني وعبادة تتقربين بها إلى الله عز وجل.
السعادة لا علاقة لها بالتعدد.
إن كل زوجة إنما تخشى على زوجها من الزواج، خوفا من أن تفقد السعادة التي تعيش فيها، بالإضافة إلى ما تجده من الغيرة، لكن إن ضمنت المرأة أنها ستكون سعيدة في حياتها مع زوجها المتزوج فإن القلق سيخف كثيرا بل قد يزول إن تأكدت أنها لن تفقد سعادتها واستقرارها.
من هنا نريد أن نقطع العلاقة بين التعدد والسعادة الزوجية، فليس معنى كون الرجل متعددا أن المرأة ستفقد سعادتها وحب زوجها وعطفه عليها، بل بالعكس، ربما زاده ذلك عطفا وحنانا عليها، فليست الزوجة السعيدة هي التي تملك رجلا بدوام كامل، والزوجة التعيسة هي التي تملك رجلا بدوام جزئي، هذه المعادلة ليست صحيحة، فكم رأينا من أزواج يعانون التعاسة في حياتهم مع أنهم لم يتح لهم الزواج بأكثر من واحدة.
إن سعادة المرأة مع زوجها ليس لها علاقة بالتعدد، والدليل على هذا أن المجتمعات الإسلامية قد عاشت طيلة القرون الماضية حياة هانئة سعيدة، وكان التعدد هو الأصل في المجتمع، وكان أصحاب الزوجة الواحدة حالة اجتماعية سببها الفقر أو عدم الكفاءة الاجتماعية، وليس لقائل أن يقول إن النساء كن تعيسات في حياتهن، بل هاهي الكتب مليئة بقصص النساء العظيمات ، اللواتي سطرن أسماءهن في كتب التاريخ، وكان لأزواجهم نساء غيرهن.
إن مصدر المشكلة بالنسبة إليك أيتها الزوجة هو في جزئية صغيرة جدا، وهي أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين، ولو كنا نعيش قبل هذا بزمن يسير، لما كان زواج زوجك يشكل مشكلة أصلا، فردة فعلك ناتجة أساسا من كون المجتمع أصبح يعتبر هذا الأمر غريبا، وإلا فلو كنا في غير هذا المجتمع، لكان رد فعلك لا يعدو نوبة غضب عابرة، فليس التعدد مشكلة كبيرة في حد ذاتها، لكن المشكلة الأكبر في نظر المجتمع لها، وما دام الأمر كذلك فعليك أن تعالجي موقفك مع المجتمع، لا مع زوجك.
إن تحديد مصدر المشكلة مهم جدا كي نجد الحل المناسب، فما دام المجتمع هو الذي ينظر إلى الأمر بهذه الصورة، فلا تقلقي من مستقبل علاقة مع زوجك، فالتعدد سيضفي على العلاقة نوعا من التجديد لا أقل ولا أكثر.
التعدد وزيادة الحب
إن الله عز وجل لا يشرع إلا ما فيه خير للمرأة وللرجل، ولا يمكن بل يستحيل أن يكون ثمة أمر في الشريعة يجعل حياة أحد الطرفين تعيسة لا تطاق، وهذه قاعدة ضرورية للتعاطي مع موضوع التعدد بشكل إيجابي.
منطلق هذه القاعدة قوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) وقوله تعالى : (وما جعل ع
عندما نتذكر فلسطين وأهل غزة، والعراق ولبنان وأفغانستان، وغيرها من بلاد الإسلام، نتقطع حزنا ونحن نرى إخواننا يقتلون وبلادنا تستباح وأعراضنا تنتهك، فنحزن كثيرا لتلك الصواريخ والقنابل التي تأتينا من سماء الكافرين…
لكن المشهد الذي لا يراه كثير منا، بل لربما رأوه بعين أخرى، هو مشهد تلك الصواريخ الفكرية والقنابل الأخلاقية التي تضرب في سلوكنا، وتهدم قيمنا كي يبنى على أنقاضها أسلوب حياة، ونمط عيش، وطريقة تفكير.
وهذه في الحقيقة هي التي تقتلنا كأمة، وتبيدنا كحضارة، أما مصارع الرجال تحت القنابل، وجثت الأطفال تحت الرماد، فهي الشهادة، وفي الأرحام خلف، وسنة الله لا تجد لها تبديلا، وقدره ماض، وحكمته بالغة، وهي كبوة نوشك أن ينقذنا الله برحمته منها، أما تدمير الأخلاق، ومسح الهوية، ونكس الفطر، فتلك الطامة الكبرى والحالقة التي تحلق جل الأمة من على وجه الأرض، وتجعلها بشرا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
إن هذا الهجوم الأخلاقي الذي يتعرض له المسلمون كل يوم وهم بيات نائمون، أو ضحى يلعبون، لهو خطر شديد، لأنه هو الذي يذهب بنا كأمة ويأتي بأناس آخرين، وهو الذي يمهد للهزيمة المادية، والتبعية الاقتصادية، ويجعلنا قبلة كل مستعمر، وشهية كل سلاح جديد.
إن المسلم والعربي وكل فرد من هذه الأمة، ليس بشيء، لولا قيمه ودينه وأخلاقياته، وما يحيط ببدنه من معان ومباديء، تجعل منه شيئا مختلفا عن الكافرين، وبشرا سويا متميزا عن البهائم، ولولا هذا لكان ماكينة تصنع القاذورات، وتلوث الطبيعة، لا أقل ولا أكثر، ولكان الحمار الذي ينفع الناس خير منه، بل لكان للذباب مكان في الدورة البيولوجية أهم من مكانه فهو خفيف يأكل الجراثيم ويبيد الجثث، قال تعالى: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم[1]) وقال تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا[2]).
إننا نتحدث الآن حين لم يعد للحديث نفع إلا أن يشاء الله، فلقد اجتاحت هذه المباديء أمتنا، وفاضت بين أراضينا كما تفيض المجاري في الحواري، وأصبح في كل مكان مناد ينادي حي على أسلوب حياة جديد، وقيم جديدة، وعالم جديد، فيجاوبه مناد آخر، ويردد أنغامه بصوت مختلف، ومن مكان مختلف ومن زاوية أخرى، ويصفق لهم آخرون، ويستعينون بأدلة الباطل-انظر مقال أدلة الباطل-، فيستدلون بالكثرة، وبالنجاح، وبالتطور، ويقولون كما قال فرعون: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي[3])، ويقولون للزوجة المحتشمة هلمي إلى خضم الحياة، واخلعي حشمتك، وأبدي مفاتنك، وابتسمي للحياة، وارم عنك لباس التخلف والرجعية، ويقولون للزوج المحافظ على أسرته، الساهر في حمايتها وحفظها من كل سوء، كفاك تسلطا وجبروتا وقمعا للحريات ، كيف لك أن تمنع الفتاة من دراستها الخارجية، وشهادتها العالية، ألست تثق في ابنتك، عليك أن تربيها على الثقة بالنفس، والتحكم في الإرادة، أما حرصك وتتبعك فهو قمع لا فائدة منه، وكم من الفتيات انحرفن مع حرص آبائهن، وانظر إلى مجتمعنا البديل الذي لا ذئاب فيه، إنما هي علاقات ودية سامية، وبشر يشبهون الملائكة، لا ينظرون إلى المرأة أنها متاع، وإنما هي إنسانة، يعشقون فيها إنسانيتها وروحها، وهم يقفون في ندائهم هنا، ولا يبدون لك من خطوات إبليس إلا هذا الحد، فهم يعرفون ما سيفعله هو وجنوده بعد ذلك.
ويقولون ويقولون، لكنني أريد أن أتوقف عند قولهم هذا وأترك أقوالهم الأخرى لصفحات غير هذه، لكي أبين خطورة هذه المباديء التي يزينونها للغافلات من الفتيات اللواتي تحملهن طيبتهن على تصديق كل ما يقال في الفضائيات، ولا يتصورن أن هذا الرجل المبتسم يتكلم بلسان شيطان، ويحاور بلسان شيطان، فتنطلي على بعضهن الحيلة، وتقف أمام المرآة وتقول: أنا إنسانة حرة، واثقة من نفسي، فإن لم يسعفها حظها بأب يرشدها ويحوطها، أو أخ أو زوج، فإنها تبدأ في فقدان قيمتها كفتاة مسلمة منذ هذه اللحظة، وتفتح لها هذه الكلمة أبواب الانزلاق على مصراعيه، فتلج إلى الباطل بكلمة حق، وتفتح باب الرذيلة وهي تظنه باب الفضيلة…
والأطم من هذا أن تكون أمها وأبوها مصدر هذا الكلام، فيربونها على هذه المباديء التي لا تأتي في العادة إلا طقما كاملا من القيم كل واحدة تدعو إلى أختها، فتنمو هذه الفتاة أوروبية في جسد مسلمة، ويصبح المجتمع مشاركا لزوجها في جزء كبير من جمالها وأنوثتها، فهذا يضحك معها حتى يطيب، والآخر يتغدى معها في اجتماع عمل، وذاك يصافحها بقبلاته البريئة، وهي الآن في اجتماع عمل مغلق مع رئيسها، وبعد قليل في حافلة يدك الناس فيها بعضهم بعضا، والكل ينظر إلى معالم جسدها مقبلة مدبرة، وهي مع كل هذا واثقة من نفسها ومن إرادتها، تعرف ما تريد، لكنها لا تعرف ما يراد بها، تظن أنها تساهم في نهضة البلاد، لكنها تسقطها إلى الحضيض، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا يعني أنك مستبد تدعو إلى الرجعية وترفض حرية المرأة؟!
على العكس تماما، لكنكم لم تبينوا ماهية الحرية وحدودها، ولم تتقيدوا بتعاليم الشريعة وقوانينها، أردتموها نزوا كنزو الأباعر في الصحاري، وفتنة تتلف الش
لا بد إذن من دين يحكم البشر ويجعلهم يحسون بالمسؤولية تجاه ما يعملون ويعطيهم الدافع للالتزام بالأخلاق والأنظمة، وهذا الدين هو الإسلام. كيف ذلك؟
إن الإنسان مركب من عناصر ومواد نعرف الكثير منها ونعرف خصائصها، ونعرف كيف يؤثر فيه الحر والبرد والمرض والجوع والعطش، لكن ما لا نعرفه كثيرا عن هذا المخلوق هو ما فيه من تركيب روحي وأمزجة نفسية، ما زال العلم إلى الآن يتلمس خيوطها، ويكتشف أسرارها…
ومن أهم هذه الخصائص النفسية التي نعرفها أن النفس لا تقدم على عمل إلا إذا ضمنت المكسب من ورائه بقدر ما ستبذله أو أكثر، فإن كان المكسب أقل من المبذول قل الدافع أو تلاشى، أما إذا لم يكن هناك مقابل تكسبه النفس، فإنها لا تتحرك إلى العمل أصلا.
إلا أن هذا العوض المكتسب، يختلف من حالة لأخرى ومن شخص لآخر، ففي كثير من الأحيان يكون الثناء والذكر الحسن من أهم المكتسبات التي قد ينفق عليها الإنسان ماله، ويخاطر من أجلها بحياته…
فقد يلقي إنسان بنفسه إلى التهلكة ليقال عنه شجاع، وقد ينفق ماله كله لينال منصبا أو جاها… وقد كان أبو طالب غارقا في ديون تراكمت عليه بسبب حرصه على شرف إطعام الحجيج إذ كان مفخرة عظيمة في منظومته الاجتماعية.
وقد يحصل أن تجد أناسا يحسنون إلى الضعفاء أو إلى الحيوانات، وهم لا يؤمنون ببعث ولا نشور، أي أنهم لا ينتظرون جزاء على أعمالهم، لكنك إن بحثت في دواخلهم وجدت هناك عوضا نفسيا ينالونه، إما بالذكر والثناء، وإما رغبة في التكفير عن أخطاء سلفت أو جرائم اقترفت، وإن شذ عن هذه القاعدة أحد، بأن وجدته يعمل العمل لا يرجوا منه ثناء ولا أجرا ولا مالا، فإن لكل قاعدة شواذا.
وإذا أردنا استدلالا أكثر على هذه الجزئية، فيكفي أن ننظر في أساس الشرائع، لنجدها تربط الأعمال بالثواب، بحيث يجازى المحسنون بالجنان، وتوصف لهم هذه الجنان حتى يدركوها بحواسهم ليستحضروا الثواب أثناء العمل، فتساق نفوسهم بالترغيب، وتدفع بالترهيب، حتى يحصل لهم الرضا بأن ما يبذلونه من طاعة وجهد في العبادة له مقابل وأجر وثواب.
وهنا يقوم العقل بعمله، فإن كان يعرف البعث والنشور، ويؤمن بالشريعة، حاور النفس وأقنعها بأن العمل الصالح هو الذي سيجني لها الربح الوفير في هذه الدار وفي دار القرار، والقلب يبعث العقل على هذا التفكير والتدبر، ويزوده بمادة الإيمان، فيتعاونان على النفس حتى ترتدع وتلتزم بالشريعة.
أما إذا لم يكن للعقل هذه المقاييس، ولم يزوده القلب بمادة الإيمان، فإنه لا يرى فائدة من الالتزام بالحلال والحرام وتجنب الخبائث، بل يرى أن الفائدة في إتيانها واغتنام الفرص أينما كانت، بحيث تكون الحياة الدنيا هي مجاله الوحيد، فلا يجد الرضا في العمل إلا إذا حصل منه فائدة
لم أكن يوما عصفورا ولم أحس أبدا أنه يمكن لعش أو لقفص أن يحتويني مهما كان ذهبيا.
أستغرب كثيرا عندما أسمعهم يقولون عش الزوجية أو القفص الذهبي، وأقول في نفسي ما أبشع الزواج إن كان سيحبسني في قفص، بما تحويه كلمة قفص من كبت للحرية وتحجيم للأفق…
وبعد البحث والتحري، اكتشفت أن هذه الكلمة دخيلة على ثقافتنا، ومستوردة من جيراننا الأوروبيين، ولست أستنكر هذا الاقتراض الثقافي بيننا وبينهم، فهو طبيعي بين كل متجاورين، إلا أنني أشمئز من حياتهم الاجتماعية كثيرا، وأحس بأنها حياة بلا روح، باردة كحجارة القبور، موحشة كجبال الجليد، لذا فأنا أصر الآن على إخراج هذا التعبير المستورد من بين أظهرنا ورده من حيث جاء لأنه لا ينتمي إلى ثقافتنا وحياتنا.
لا نعرف بالتحديد الأثر الذي تلعبه مثل هذه الكلمات في بناء شخصياتنا، وإن كنا نحس به دون شك، فهي تغرس نفسها في عقلنا الباطن، وتعشش هناك، وتبيض مجموعة من الأفكار والأحاسيس، وتولد في تصرفاتنا مجموعة من ردود الأفعال التي لا ندرك أسبابها، بحيث تجعلنا نصدر مجموعة أحاسيس غير مبررة.
إن الإسلام قد انتبه إلى هذه الآثار اللفظية التي لا نلقي لها بالا، فآية كريمة تتلى آناء الليل والنهار، نزلت لتقول لنا لا تقولوا هذه الكلمة وقولوا تلك، مع أنهما في الظاهر نفس المعنى، قال تعالى : (يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا)، وعلماء النفس يدركون الآن أبعاد الكلام السلبي وآثاره النفسية على الفرد وعلى من حوله، ويقررون بأن الكلمة السلبية تؤثر على قائلها وعلى سامعها.
هذه الكلمة الدخيلة تصور الحياة الزوجية صورة مؤلمة، وتجعل بيت الزوجية عشا صغيرا أو قفصا محكم الإقفال، وتعطيه أبعادا مكانية ضيقة، وتجعل الزوجين فيه عصفورين ضعيفين، وهذه المعاني فيها شيء من المشابهة بواقع ما هم عليه في حياتهم المادية ال
من أنت؟!
إنما الناس رجلان، رجل في أمة وأمة في رجل… فمن أنت؟ وما هو دورك في هذه الحياة؟
لا بد من هذا السؤال، ولا بد من الإجابة عليه؛ لأن الإجابة على هذا السؤال هي تحديد للهدف ورسم للطريق وتوضيح للمنهج، وإضاءة للحياة، واستغلال للعمر، وتوجيه للطاقة.
قف الآن، واسأل نفسك، من أنا في وسط هذه الأمة؟!
إن كنت لا تنظر إلا في عطفيك، ولا تحمل إلا هم نفسك وأسرتك، ولا يشغل بالك ويقلق بلبالك إلا النظر في شأن أبناءك وزوجك، ولا يهمك ويغمك إلا ما ستأكله اليوم وما ستلبسه غدا، فاعلم أنك لا تعدو أن تكون لقمة من قصعة الأكلة، وقشة من غثاء السيل الذي أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا أمن قلة نحن يا رسول الله قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل" إن كنت من هؤلاء وأعيذك بالله أن تكون، فاعلم أنك ممن قصد الله عز وجل بقوله: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً}…
أنت لن تكون من هؤلاء، ولا ينبغي لك أن تكون… لأنك بإعلانك لكلمة التوحيد ونطقك بالشهادتين قد وقعت مع الله عز وجل عهدك، وتبوأت من البنيان الذي يشد بعضه بعضا مكانك، وانضممت إلى صف {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} وأصبحت من {أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وأخذت موقعك من {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ} وحملت راية {قُلْ هَذِهِ
في زمن البورصات والأسواق المالية والبطاقات الذكية، كل شيء يستثمر حتى التطرف.
بادئ ذي بدء سنقوم بتعريف التطرف الذي ناقش الإسلام أبعاده من قبل أن يتم تلقين الثقافة الإسلامية هذا المصطلح، ويحشر فيها منذ بضعة أعوام.
لقد جاء الإسلام بالحنيفية، والحنيفية هي الوسطية التي تنحرف عن جميع المعتقدات المتطرفة والبعيدة عن نقطة الوسط التي هي الفطرة.
نعم، لا بد كي تعرف التطرف أن تعرف نقطة الوسط، لأن التطرف يفيد بعدا مكانيا، فطرف في جهة وطرف في جهة مقابلة، وبينهما وسط، والوسط هو ما سماه القرآن الحنيفية، وهي عين الفطرة.
إذن إليك الصورة كاملة، فطرة في الوسط وابتعاد عنها إما غلوا إلى الأمام وإما تقصيرا إلى الوراء، وهو ما تشير إليه المصطلحات الشرعية بالمشاقة والمحادة والغلو والابتداع.
لكن المصطلح الجديد يحصر التطرف في التطرف الذي ينتج عنه تعنيف من ليس معك في نفس الطرف، أو بعبارة أخرى هو من يستخدم وسائل عنيفة تجاه من يقابلونه إما في الوسط وإما في الأطراف الأخرى.
نعم، هناك مسلمون غلاة، بالاصطلاح الشرعي، ومتطرفون بالمصطلح الدخيل، وقد كانوا ظاهرة قديمة قدم الإسلام، بل قدم الشرائع بل قدم التجمعات البشرية كلها.
فالتطرف أو الغلو هو مذهب فكري له أبعاد نفسية، لا ارتباط له بدين ولا بشعب ولا بفكر، بل هو طريقة في التعاطي مع الحياة نفسها في كل مظاهرها.
فكما يوجد في الإسلام غلاة ومتطرفون، يوجد في اليهودية وفي المسيحية بل وفي المذاهب الفكرية كالماركسية والشيوعية، فالتطرف نتاج اجتماعي طبيعي، وليس يفيد قولي "طبيعي" أنه أمر مقبول، بل هو كالأمراض في الجسم، لا بد منها ولا بد من مقاومتها، وقد احتجت إلى هذا الاستدراك واضطررت إلى أن أقطع عليك اتصال الكلام، خوفا من أن يقتنيه مستثم
مصائب قوم عند قوم مراقص
ما هذا الجمال؟! وما هذا الخَلْق العجيب؟! سبحانك ما خلقت هذا باطلاً!
وأنا أتذكَّر قول الشاعر:
|
وَالقَلْبُ يَعْشَقُ قَبْلَ العَيْنِ أَحْيَانا
|
|
وَالعَيْنُ تَأْكُلُ قَبْلَ البَطْنِ أَحْيَانا
|
أصدرتُ أمري إلى أصبعين من أصابع يدي اليمين، وكلَّفت السبَّابة والإبْهام أن يتولَّيا تفْريق هذا الجمْع، وتشتيت هذا الشَّمل، وإرسال أوَّل قالب من قوالبها الثَّمانية إلى مثواه الأخير.
انتعشت شفتاي ببرْد وجفاف غطائِها الرقيق، الذي يُظهر أكثَرَ مِمَّا يُخْفي، ولم يكَدِ القالب يتجاوز الشَّفتين حتَّى أخذتا من لذَّته بنصيب، ونالَتا من جفافِه وبرودتِه ما حثَّهما على دفعه إلى اللسان الذي استلمه بِحنان الأم حين تستلم رضيعها، وحمله برفْق ليحيله إلى أضراس لا تشاطره نفس الحنان.
لم تطق الأضراس انتِظارًا، فبادرت إلى عصر ما بداخل هذا الجسم اللطيف، ونالَها من لذَّة الضغط ما نالَ











